المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بوابـة الحنـاء


عاشق الليل العراقي
10-16-2005, 01:23 PM
بوابـة الحنـاء

إنحسرت إشراقة وجهه التي فردها قسراً وهو يواجه ذلك الحشد المتدافع في الزقاق المهجور‘ إحساسه بأنه طارىء على هذا المكان ‘ جعله يراوح في مكانه ‘ بوسعه الان وهو في ذلك الموضع أن يرصد أثار الكآبة والملل التي فرضها الانتظار الطويل على المحتشدين المتطلعين نحو أخر الزقاق حيث البوابة الصغيرة التي كادت أن تغطيها عجينة الحناء الجافة والمتقشرة ' أمعن في وجوه النساء المطبوعة بذلك الرجاء التوسلي ‘ الرجال المتعبين بلحاهم النامية ‘ تأكد إنهم أمضوا بضعة أيام في هذا المكان ومازالوا يتطلعون نحو بوابة الحناء وخمن إنهم يمتلكون دوافع متدنية ‘ وإن من العدل أن ينظر في دوافعه التي تشغل البعض وتجعل مصائرهم معلقة ومتأرجحة على بوابة زمن مرتد إبتلع مسراتهم وسخر من ملاحمهم التي مجدت كل حروبهم الخاسرة وصراعهم الطويل مع أعداء الداخل العزل ‘ ثم نشرها مثل غسيل متسخ أمام الآخرين ‘ كان هذا التذكر الموجع كافياً ليحرك الغضب المحتبس بداخله والذي مهد لنهوض أحاسيس إعتزازه بنفسه وخبراته المختزنة في إختراق الآخرين وتفتيت صفوفهم ‘ فأندفع يزيحهم من أمامه مستفيدا من إنشغالهم بمراقبة البوابة الساكنة ‘ فنجحت أكتافه العريضة وساعداه الضخمان في نقله الى وسط الجمهور ‘ ومع ذلك لم يقترب كثيرا من البوابة إذ ما زال في منتصف المسافة ‘ لكن صار بوسعه الان أن يتفحصها دون أن يشغل ذهنه بقراءة الجمل والكلمات المحفورة أو ذلك الكم من الرسوم التي حالت ألوانها ولا تلك النجوم الخشبية النافرة بحوافها المثلمة والنقوش النباتية التي تحيطها والتي لاتسمح لغير الخبير بالتعرف على نقطة ابتداءها ‘ثمة مايشده بقوة الى الناس المرابطين في زقاق البوابة‘ إستنفر كل حواسه للتعرف على سبب قدوم الاصحاء منهم الى ذلك المكان إذ كان متلهفا ًللتعرف بأولئك الذين يتقاسمون معه مرارة هذا الانهيار‘ لكن دواخله المتوترة كانت تغلق بوابات الاستنتاج ولهذا فلم يجد غير تراكمات اليأس الطافح على ملامح المعاقين وتلك الفرادة التي تميزالسحن المنغولية ‘ وفكر: إنهم في الطريق الى مقاطعة الأمل وولوج بوابة القنوط ... وتسأل: متى سأصنف معهم؟

ورغم شعوره بالترفع عن السؤال لكن مخاوفه من وجوده محشورا بينهم لمدة طويلة قد يفتت رغبته بدخول البوابة ولهذا فقد بدت ملامح الرجل الملتصق بكتفه الأيسر أكثر ودية ومشجعة للحوار . .

-: هل ثمة نظام للدخول ؟

لم ينتبه الرجل لسؤاله كان ساهما وهو يواجه البوابة لكنه فهم القصد بعد تكرار السؤال ..

-: ليس هناك نظام معين ‘ لكن لو حالفك الحظ سيطلبونك بالاسم من خلف البوابة .

أنهى الرجل حديثه بأبستامة باردة لا تفصح عن شيء لكنه شعر إن عليه أن يكشف عما يشعر به ...

-: أتمنى أن لايتسمر الناس هنا من أجل إشاعة أو خدعة صغيرة .

هز رأسه موافقا وشغل نفسه بمتابعة الوافدين الجدد وحين لم يجد من بينهم وجها يعرفه دهمه إحساس ممض بالوحدة والضياع وكان هذا الاحساس يستفز الجزء الساكن في داخله فبدا وكأنه منشطر على ذاته وهو يحاور الجزءالساخط...( أعترف إنني أكاد أضيع وسطهم فيما أتوجس أن يرتبك هذا الحشد ويندفع بشكل هستيري فأسحق تحت أقدامهم .. ميتة شنيعة تتفتت فيها العظام وينهرس اللحم تحت وطأة أحذيتهم البالية .. لكن الأمر يستحق المخاطرة ‘ إن ما أحتاج إليه فعلا هو ضربة حظ عادلة وان لم تكن فبضع ساعات أو بضعة أيام أخرى أضع فيها حدا لهذا الجنون ) .

لكزة المرفق الخفيفة سحبته من تهويماته . كانت يد الرجل الواقف إلى يساره تلوح بلفافة تبغ . إلتقطها دون رغبة وبعد بضعة أنفاس شعر إن من اللياقة أن يتحدث قليلا ..

-: لديك حكاية كما أعتقد !

تردد الرجل قليلا قبل أن يجيب إذ إعتقد إن من المخجل أن يقص حكايته لكنه توسم إن محدثه رجل محترم وأن القصة قد شاعت منذ فترة ومن المؤكد إن الرجل إلتقطها من إحدى الصحف ..

-: ملخص الحكاية إن عجزا جنسيا أصاب الرجال في( حارة الزعفراني ) ولك أن تتخيل خطورة موضوع كهذا ‘ فلا أحد يستطيع أن يضع عينه بعين إمرأته ‘ بحثنا الأمر مع الحكومة وطالبنا برفع الحجر الصحي عن الحارة وتوفير الادوية المناسبة ‘ لكنهم مصرين على ضرورة التداوي بالأعشاب فهم يعتقدون إن الطب العربي هو الأفضل .

لم تدهشه حكاية الزعفراني لكنها رفدت مخاوفه بأن هذا العالم سوف يتفتت وينهار بفعل تناقضاته ‘ ففيما يصيب الآخرين عجز غريب تفجرت في مدينته فورة إخصاب مقلقة ‘ كل شيء يتناسل فيها بشكل مريب ‘ فلم تسجل مستشفيات الولادة والقابلات المرخصات أية ولادة مفردة منذ إجتاحت فورة الإخصاب المدينة وأطرافها ‘ وكأن قلب العقم إنفطر وتشظى فمالت الاشياء مجتمعة نحوتناسل غير مألوف ‘ فأمتلأت الأرحام العقيمة بالتوائم واجتاحت الفحولة أصلاب الشيوخ ‘ هذا التحول مسٍ بجنونه كل الاشياء فتدفق الماء من الينابيع والعيون الناضبة ‘ ومالت الأشجار وانحنت جذوعها المستقيمة من فرط ثقل ثمارها ‘ وتضخمت أثداء المرضعات وغاصت حلماتها في الأفواه الوردية التي لاتكف عن الصراخ ...

فوضى الإخصاب هذه هي التي قادته الى زقاق البوابة وكان يأمل أن توقف بكل قدارتها التي تناقل الناس أخبارها شفاها منذ قرون‘ ذلك التصدع الذي يشرخ كيانه وأن تمنحه فرصة إستعادة حياة كان ينعم بالجانب المنضبط والصارم فيها ، إذ لم يعد الوقت يسمح بأية مناورة صغيرة فكل الأشياء تزحف نحو الحافة ‘ ولهذا وعندما كانت تجتاحه حالات الانقباض النفسي كانت شرفته العالية تبدو مثل عين جديدة يتأمل من خلالها المدينة الساكنة قبل طلوع الشمس ويتمنى أن تظل هكذا الى الأبد‘ غارقة في صمتها وموات حركتها ‘ وربما كانت تلك هي اللحظات الوحيدة في يومه الطويل التي يشعر فيها إن المدينة كفت عن جنونها وعادت الى رشدها وأستعادت حياتها القديمة فينسحب من شرفته وحيدا ليغرق في حلم طويل ...

توقف المرضى عن التوجع والشكوى وأقفلت أفواه الممسوسين وغرق الحشد في الصمت عندما أعلن أحدهم من خلف البوابة بصوت واضح ..

-: سيجد المرضى والمحتاجين من يهتم بشأنهم في دار الإحسان .

تململ الناس وأحتج بعضهم بصوت خافت ‘ لكن حركة إنسحابهم من مؤخرة الزقاق بأتجاه دار الأحسان بدأت بالتسارع وكانوا يمرون من أمامه دون أن يعيروه إنتباههم تاركين سحابة من غبار أقدامهم حامت ذراتها في فضاء المكان ‘ أخرج علبة سجائره وأشعل واحدة منها ثم مال على إذن الزعفراني هامساً .

-: هل تفكر بالانسحاب ؟

-: ربما !

كانت ظلمة المساء الزاحفة تلتهم بقايا نهارهم المرهق وتمحي معها ملامح البوابة ودور الزقاق المهجورة ومع ذلك فقد بقيا وحيدين ومتصلبين وكأنهما يتممان عتمة المشهد











عاشق الليل العراقي