عاشق الليل العراقي
12-19-2005, 10:41 PM
الحكاية أو القصّة الشعبيّة و الدعابة أو النكتة و الطرفة منذ الأزل و لا تزال الى ما شاء الله فاكهة المجالس و التجمعات سواء عند الملوك و الامراء او الوجهاء , او عند الفقراء و المعدمين . و هذا لا يعني إنها ولدت من فراغ , بقدر ما تعني إنها وليدة حكمة و تجربة شعوب على مرّ العصور و الازمان .
ربما تستغل القصة أو المثل و الطرفة لأغراض هدامة , وربما تستعمل لاجل سفاهة و لربما توضّف لاجل امتحان أو اختبار , أو الاختيار و الترجيح بين نقيضين أو متماثلين . و لا يكاد شعب من الشعوب يخلوا منها, سواءً كانت مرحة أو حزينة . هناك شعوب تضحك على اتفه نكته أو دعابة حتى وان كانت ( بايخة) كما يسميها المصريون , أو ( فاهية ) كما يسميها العراقيون . و بما أن حديثنا يدور حول العراق , و ما أدراك ما العراق , فان العراقيين لا يضحكون فرحاً و لا يبكون الماً إلا إذا كانت النكتة أو الدعابة أو المثل الشعبي قوياً لاذعاً ( يدك بالعظم ) يصل حتى العظم . و قصّتنا اليوم ( عرف الخير أهله فتقدّم ) هي واقعة من وقائع التأريخ السياسي العراقي , وبطلاها هما الشاعرين الراحلين جميل صدقي الزهاوي و معروف الرصافي , أما الذي حبك خيوطها و أدار جلستها من سيناريو واخراج ...الخ : فهو الراحل فيصل الأول ملك العراق آنذاك , ( رحمهم الله جميعا ) . كان الصراع على اوجه , والسجال محتدم ما بين الشاعرين العملاقين , فأراد الملك فيصل أن يتعرّف على نزاعهما عن قرب , فعزمهما إلى وليمة دعاه دهائه أن وضع لهما الطعام في طبق واحد ليأكلا منه سوية , واعتذر هو ( الملك ) عن الأكل معهما بحجّة ( البهريز ) الحمية و انه يتبع نظام صحي خاص للأكل حسب رأي الطبيب لينظر ماذا سيفعلا ن إذا تقابلا على الطعام ؟ وهل سينغّص أحدهما راحة الآخر , أم سيتركا سجالهما و صراعاتهما لما بعد الطعام ؟ . و المعروف عند أهلنا بالعراق مثلاً يقول : عند البطون تعمى العيون ! أي يكون حينها مشغولاً بالأكل عن النظر حتى و أن جلس خصيمه قباله على السفرة . كان الطبق الذي قدّم بين يدي الضيفين عبارة عن ( بلم ) صحن كبير متللاً بـ ( التمّن ) الرز العنبر بالدهن الحر مخلوطاً بالـ ( الكشمش ) الزبيب و اللوز المحمّص تعلوه دجاجة سمينة محمّرة . جلس الشاعران الضيفان قبالة بعضهم البعض و شرعا بالأكل. اخذ الزهاوي يأكل الرز من أمامه ليحدث فراغاً تحت الدجاجة كي تسقط بأكملها بالحفرة التي أحدثها نتيجة أكله الرز الذي أفرغه منها في جوفه . و لما سقطت الدجاجة في نصف الصحن المقابل له , حينها قال الزهاوي شطراً من بيت شعر : عرف الخير أهله فتقدّم ! فاستفز القول الرصافي , فما كان منه الاّ واكمل عجز البيت قائلاً : كثر النبش تحته فتهدّم . حينها ضحك الملك فيصل بملئ شدقيه ليقول لهما : ( انكاركم وصل لهناه ) أي : هل وصلت مشاحناتكم و نزاعاتكم حتى إلى مجلسي هذا و على مائدتي ؟ بالطبع خرج الشاعران العملاقان من البلاط الملكي يداً بيد بعد أن تصالحا بحضرة الملك , خرجا و هما يمسكان يداً بيد و عادت الأمور إلى مجاريها , ولم يعد بينهما خصام بعدها ثانية
ربما تستغل القصة أو المثل و الطرفة لأغراض هدامة , وربما تستعمل لاجل سفاهة و لربما توضّف لاجل امتحان أو اختبار , أو الاختيار و الترجيح بين نقيضين أو متماثلين . و لا يكاد شعب من الشعوب يخلوا منها, سواءً كانت مرحة أو حزينة . هناك شعوب تضحك على اتفه نكته أو دعابة حتى وان كانت ( بايخة) كما يسميها المصريون , أو ( فاهية ) كما يسميها العراقيون . و بما أن حديثنا يدور حول العراق , و ما أدراك ما العراق , فان العراقيين لا يضحكون فرحاً و لا يبكون الماً إلا إذا كانت النكتة أو الدعابة أو المثل الشعبي قوياً لاذعاً ( يدك بالعظم ) يصل حتى العظم . و قصّتنا اليوم ( عرف الخير أهله فتقدّم ) هي واقعة من وقائع التأريخ السياسي العراقي , وبطلاها هما الشاعرين الراحلين جميل صدقي الزهاوي و معروف الرصافي , أما الذي حبك خيوطها و أدار جلستها من سيناريو واخراج ...الخ : فهو الراحل فيصل الأول ملك العراق آنذاك , ( رحمهم الله جميعا ) . كان الصراع على اوجه , والسجال محتدم ما بين الشاعرين العملاقين , فأراد الملك فيصل أن يتعرّف على نزاعهما عن قرب , فعزمهما إلى وليمة دعاه دهائه أن وضع لهما الطعام في طبق واحد ليأكلا منه سوية , واعتذر هو ( الملك ) عن الأكل معهما بحجّة ( البهريز ) الحمية و انه يتبع نظام صحي خاص للأكل حسب رأي الطبيب لينظر ماذا سيفعلا ن إذا تقابلا على الطعام ؟ وهل سينغّص أحدهما راحة الآخر , أم سيتركا سجالهما و صراعاتهما لما بعد الطعام ؟ . و المعروف عند أهلنا بالعراق مثلاً يقول : عند البطون تعمى العيون ! أي يكون حينها مشغولاً بالأكل عن النظر حتى و أن جلس خصيمه قباله على السفرة . كان الطبق الذي قدّم بين يدي الضيفين عبارة عن ( بلم ) صحن كبير متللاً بـ ( التمّن ) الرز العنبر بالدهن الحر مخلوطاً بالـ ( الكشمش ) الزبيب و اللوز المحمّص تعلوه دجاجة سمينة محمّرة . جلس الشاعران الضيفان قبالة بعضهم البعض و شرعا بالأكل. اخذ الزهاوي يأكل الرز من أمامه ليحدث فراغاً تحت الدجاجة كي تسقط بأكملها بالحفرة التي أحدثها نتيجة أكله الرز الذي أفرغه منها في جوفه . و لما سقطت الدجاجة في نصف الصحن المقابل له , حينها قال الزهاوي شطراً من بيت شعر : عرف الخير أهله فتقدّم ! فاستفز القول الرصافي , فما كان منه الاّ واكمل عجز البيت قائلاً : كثر النبش تحته فتهدّم . حينها ضحك الملك فيصل بملئ شدقيه ليقول لهما : ( انكاركم وصل لهناه ) أي : هل وصلت مشاحناتكم و نزاعاتكم حتى إلى مجلسي هذا و على مائدتي ؟ بالطبع خرج الشاعران العملاقان من البلاط الملكي يداً بيد بعد أن تصالحا بحضرة الملك , خرجا و هما يمسكان يداً بيد و عادت الأمور إلى مجاريها , ولم يعد بينهما خصام بعدها ثانية