المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إذا لم يروَّ العبسي صارمه !


المتئد
12-23-2005, 08:05 PM
ولقد ذكرتكِ والرماح نواهلٌ & منّي وبيض الهندِ تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيل السيوف لأنها & لمعت كبارق ثغركِ المتبسّمِ


قالها ، وشغل الناس بها ، وقد شُغِلَ عنها ، وما زال الأدباء يمتعون أقلامهم بجمال تحليل الصور والتشبيه في هذين البيتين .

ولئن كان عنترة فارساً مغوارا ، وشجاعاً مهيبا ، فهو شاعرُ جيد الشعر ، بل إن شعره يوازي تلك الصفات البطولية ، بوضوحه ، وبقوّة معانيه وجزالة ألفاظه ، وبراعة وصفه التي لا تجارى حينما يكون الوغى والمعارك ما يصف !


لن نكون معه في ما اعتلى من بيتين ، بل سنصحبه في أبياتِ من قصيدةٍ له ، حملت مكنون نفسه ، وهو الذي لا يتعدّى أن يكون ، في شجاعته وقوّته ورئيه بها ، وسواده ونسبه ، وحب عبلة !



إذا لم أروِّ صارمي من دمِ العدى & ويصبح من إفرنده الدم يقطرُ

فلا كحلت أجفان عيني بالكرى & ولا جاءني من طيف عبلة مخبرُ

حينما يجعل فتكه بأعدائه وبطولته وغلبته شرطاً ؛ لأن ينام ملء جفنيه ، وأن تأتيه رؤىً يرى بها عبلة ليسلّيَ نفسه ، فذاك هو الشرف الذي لا يعتليه فضلٌ بالنسبة له ، إذ جعل النوم ، ورؤيا عبلة ، منعدمين في حالة عدم إقترافه ضربه بالسيف .

البيتان يحملان صورة جميلة ، يستهلّ بها شعره ، وهي لا تحتاج إلى توضيح ، كما أنّ (( يصبح من إفرنده الدم يقطرُ )) ، صورةٌ بلاغية ، بها كناية عن كثرة القتل ، ولإقدامه عليه ، وكما بدأها بشرط وجزاء ، فهو يستأنف مشترطاً حينما يقول :

إذا ما رآني الغربُ ذلّ لهيبتي & وما زال باع الشرق عنيّ يقصرُ
ابتدأها بالشرق ، لعلوّ كعبه آن ذاك ، وليس لتنزيله منزلة الأدنى ، وفي العجز يوضح لك بأن (( ما زال باع الشرق عنّي يقصر ُ )) ، خصّص الشرق بباع ، وليس في ذلك المصاب الجلل ، بل إن ذلك (( الباع )) ما زال يقصر ، ويبدو أنّ حال الشرقيين آن ذاك شبيه بحالنا اليوم !



أنا الموت إلا أنني غير صابرٍ & على أنفس الأبطال والموت يصبرُ

ومع هذا البيت الجميل لنا وقفه . ما حمله البيت من صورٍ حسيّةٍ ، لهي أبلغ أن تصل بمعناها عن ألفاظها منها بالألفاظ دون المعاني أو قبلاً ، فأنتَ حينما تفهم الكلم لأول وهلةٍ فقد بلغ منك معناه ما بلغ ، وما جُعِلَت الألفاظ إلا خدماً وتابعاً له ، وليس لجمال أسلوبها او تقاربها في ذلك وساطة !

ابتدأ البيت بتشبيه مؤكد (( أنا الموت )) ، فهنا يثبت ويؤكد بأنه الموت ، ولكن ، في ماذا ، في الحتف والمهابة والإمضاء ، بيدأنّه يفصّل ما أجمل تشبيهه با ستثنائه بإلا (( وما ذاك إلا زيادةً لتوكيد وتخصيص في هذا التشبيه )) ، إذ أنّه يفرّق بينه وبين الموت ، بعدم صبرهِ ، وصبر الآخر ، وعلى من تكون عجلته وقلّة صبره ، على أنفس الأبطال الشجعان ، وإنّه لا عتداد وأيّما اعتدادُ هو !



أنا الأسدُ الحامي حمى من يلوذ بي & وفعلي وصفٌ إلى الدهر يَذكَرُ
صورة تشبيهيّة أخرى ، جميلة ، غير أنّ التورية في ( فعلي ) ، لم تفِ بما أراده في الصدر ، إذ أنّ الفعل يُحتمل منه الصواب والخطأ ، وإذا تتبعّنا ما بعده لنجد مخرجاً ، لا نجد إلا (( وصفٌ )) والوصف في ذاته ، يحتمل الحُسن والقُبح ، فلم يوفّق هنا .



إذا ما لقيتُ الموت عمّمتُ رأسه & بسيفٍ على شرب الدما يتجوهر ُ

وما زال عنترة ياخذنا بصوره ، وبدأها بلاغيّاً هنا ، عند استعارة الرأس ( المحسوس ) للموت ( المعقول ) ، وهو إذ جعلَ للموتِ رأساً ، فإنّه لهدفٌ قريبٌ لسيفه ، وقد هيأ ذلك بعبارته وألمح بعدم مهابته للموت ، كيف لا وهو الذي قد قتله هنا !





سوادي بياض حين تبدو شمائلي & وفعلي على الأنساب يزهو ويفخَرُ

السواد هو ذلك العيب الذي أثار بياض صنع هذا الشاعر مراراً ، فهذا العيب أو المكنون ، لا تجده هنا فقط ، بل في كثيرٍ من قريضه ، ومنه في قوله :
لئن يعيبوا سوادي فهو لي نسبٌ & يوم النزال إذا ما فاتني النسبُ
وقوله أيضاً :
فما عاب الزمان عليّ لوني & ولا حطّ السواد رفيع قدري
وإذا عدنا إلى البيت المقصود ، وجدنا به انسيابٌ في اللفظ وسلاسة ، وسيرٌ حثيثٌ في المعنى ، يكمن في النفس .
ولكَ في اعتداده حينما يرى أن ذلك ليس بعيبٍ أبدا ؛ ألفاظٌ وضعها مناسبةٌ لا عتداده وثورته على ذلك ، كـ (( يزهو )) و (( يفخر )) .
( فعلي ) هنا ، لم تكن كسابقتها ، إذ أنّ الزهو والفخر لا يكون إلا عن فضل ، وما أجمل ذلك الفعل وفضله، حينما يستغنى به عن النسب !

ألا فليعش جاري عزيزاً وينحني & عدوّي ذليلاً نادماً يتحسّرُ
ينبّه بـ (( ألا )) ليخبر جاره بالعزّة ، وعدوّه بالذلّة والندم والتحسّر ، ولم يكُ ذلك إلا بعدما ذكر من نفسهِ ما يُهَيئ لجاره الفخر ، ويجلب لعدوّه الندامة والخزي ، ووضع هذا بمقابل ذاك .

بني عبسَ سودوا في القبائل وافخروا & بعبدٍ له فوق السماكين منبرُ
يخاطبُ قومه ، وإن أخذ الخطاب شكل النداء ، إلا أنّه يقرّر لهم حقيقة يراها قد غابت أو تعاموا عنها ، ويصوّر لهم عندما يقرّر تلك الحقيقة ، بمكانه الصحيح ، حينما يقول (( بعبدٍ له فوق السماكين منبرُ )) ، وما زال بذاك يصوّر ليدلّهم ويدلّنا على ما يريد أن يفصح عنه ، إذ أنّه يفاخر بنفسه ، ساخراً مستنكراً فعل قومه ، في لفظة (( عبد )) ، وهل يُفاخرُ بالعبد ؟
وكأنّه يضعهم بين خيارين ، وفي جميعهما فخر
الأول : إن لم تفخروا بي لسوادي وعبوديّتي ،فالمنبرُ الذي فوق السماكين يريكم أين أنا عنكم ، كما أن كرّي في المعركة أسمى مما لم تفعلوه ، وقد ذكر ذلك في بيتٍ من قصيدةٍ أخرى ، يقول فيه :
وإذا ذُكِرَ الفخار بأرضِ قومٍ & فضرب السيف في الهيجاء فخري
الثاني : إلحاقه بنسبهم ، لعلوّ شأنه وفي ذاك فخرٌ لهم أولا ثم له .

سلِ المشرفيّ الهندوانيّ في يدي & يخبّركَ عنّي أنني أنا عنترُ
لا عجبَ حينما يُعارُ السيف لساناً حين ينطق ، وما ذاك إلا ليخبّرنا ، بأنّ من نسأله عنه ليس إلا عنتر . أوَ تعجّبٌ في ذلك.

عَلِمْنا أيها الشاعر من أنت ، وقد كانت لنا صفحةٌ بيضاء معك ، ولم تكُ نقداً كما تعرفه أو يعرفه بني جلدتك من الشعراء الفحول ، وإنّما هي قراءة لمتذوّقٍ استحسن ما تقول ، وأَنِسَ بما تعني ، وسيكرٌّ عليك مرّةً أخرى ، إلا أنّه يخشى بطشة ذلك البيت ، الذي أشغل له ذهنه وأثمله ، إذ قلتَ فيه :
إنّي لَأَعْجب كيف ينظرُ صورتي & يوم القتالِ مبارزٌ ويعيشُ

أيمكن أن أجوب بيدائك بعد قولك هذا ، ربما إن كنتُ أعزلاً .

محمد الجرايحى
12-27-2005, 03:19 AM
أخى الغالى
المتئد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد أعدتنا بمقالك إلى
زمن الشعر الجميل

بارك الله فيك وأعزك
أخوك
محمد

سلن العرب
12-27-2005, 12:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

منـ ليبيا ـير
12-27-2005, 01:29 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


مشكور اخي فتقبل مني تحياتي


اخوكــ


منــ ليبيا ــــير

المتئد
12-28-2005, 12:48 AM
أخى الغالى
المتئد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد أعدتنا بمقالك إلى
زمن الشعر الجميل

بارك الله فيك وأعزك
أخوك
محمد

أخي العزيز : محمد الجرايحي
أتمنى أن فعلت كما وصفت فلذلك فخر ، وأيّما فخر
كالعادة أحبُّ حضورك .

المتئد
12-30-2005, 12:48 AM
الحبيب : سلن العرب

دون أن نفصح عمّا في نفسك ، فإني أعلم ما ستقول .
سعيدٌ أنا لتفضلّك عليّ بحضورك الجميل .

المتئد
01-01-2006, 07:39 AM
الفاضل : منير ليبيا
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أشكر لك حضورك الذي أبهجني ، على أملٍ بتكراره .

سيف الإيمان
01-01-2006, 12:17 PM
الاخ الكريم المتئد

الله عليك خوى ما احلاهم هذين البيتين اللتان يفيضان عاطفة جياشة ومشاعر ورومانسية لو اجتمعوا كل شعراء هذا العصر لايخرج من يداهم مثلهم عارف ليش خوى لصدقهم من ثاردهم وكاتبهم اين المشاعر الصادقة فى ايامنا
مشكوووووور اخى
اخوك سيف الايمان

المتئد
01-03-2006, 07:59 AM
الاخ الكريم المتئد

الله عليك خوى ما احلاهم هذين البيتين اللتان يفيضان عاطفة جياشة ومشاعر ورومانسية لو اجتمعوا كل شعراء هذا العصر لايخرج من يداهم مثلهم عارف ليش خوى لصدقهم من ثاردهم وكاتبهم اين المشاعر الصادقة فى ايامنا
مشكوووووور اخى
اخوك سيف الايمان

الفاضل : سيف الإيمان

ربما سيكون من شعراء العصر إذا هم تمسكّوا بلغتهم ، وأوفوا لها كيلها .

شكراً لمجيئك .

عاشق العندليب
10-25-2006, 02:30 AM
تحياتى لك
المتئد

وفى انتظار جديدك دائماً

بارك الله فيك وأعزك

أخوك

الظل الاحمر

محمد الجرايحى
10-25-2006, 11:12 AM
أخى الغالى
المتئد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عيد سعيد
وكل عام وأنت بخير وفى صحة وسعادة
وأحييك على جهدك الرائع والمتميز
وأتمنى أن تمتعنا دائماً بكتاباتك
ولاتطيل علينا الغياب

بارك الله فيك
أخوك
محمد

تمارى الوردة
11-02-2007, 11:08 PM
مشكوررر

على الطرح القيم جدااااااااااااااااااااااااااااا


تحية طيبة

!! قـتيــبه العـراقــي !!
12-03-2007, 01:53 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخي الغالي

اشكرك اخي على المشاركه

الاكثر من روعه

تقبل

ودي واحترامي


قتيبه

سلن العرب
12-03-2007, 06:11 PM
أنا الأسدُ الحامي حمى من يلوذ بي & وفعلي وصفٌ إلى الدهر يَذكَرُ
صورة تشبيهيّة أخرى ، جميلة ، غير أنّ التورية في ( فعلي ) ، لم تفِ بما أراده في الصدر ، إذ أنّ الفعل يُحتمل منه الصواب والخطأ ، وإذا تتبعّنا ما بعده لنجد مخرجاً ، لا نجد إلا (( وصفٌ )) والوصف في ذاته ، يحتمل الحُسن والقُبح ، فلم يوفّق هنا .
أخي الغالي .. تعلم انني لا أملك ألا أستحسان ما تقول طائعا أمام أدواتك اللغوية ، و أنت تعلم حُبي للمعلقات واللغة العربية ، ولستُ ممن يملك علما في اللغة حتى انتقد ما تقول ، ولكن ما أن بلغت هذا البيت في الأعلى ، و انتقدته بقي عالقا في ذهني ، و أنا أدرك أن كلمة فعلي تُعبر عند العرب عن الحسن من الأفعال ، وقد وردت في أكثر من مقولة وبيت شعر و أليك ما قال المتنبي :-
وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له ***إذا لم يكن في فعله والخلائقِ

فهل كان يقصد المتنبي القبيح من الفعل !!؟؟

النســــــــــر
12-03-2007, 07:59 PM
طرح قيم
بقيمة كاتبه

لاهنت ايها المبدع

راحـــــل
04-04-2008, 08:03 AM
ولقد ذكرتكِ والرماح نواهلٌ & منّي وبيض الهندِ تقطرُ من دمي
فوددتُ تقبيل السيوف لأنها & لمعت كبارق ثغركِ المتبسّمِ

[عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل بالمنتدى لمشاهدة الرابط] ([عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل بالمنتدى لمشاهدة الرابط])