ألاسيف
08-27-2003, 11:33 AM
42632 السنة 127-العدد 2003 اغسطس 27 29 من جمادى الآخرة 1424 هـ الأربعاء-- الأهرام
حين يكره العرب عروبتهم!
بقلم: صلاح الدين حافظ
الحمد لله.. انتهي العرب من حل جميع مشاكلهم, ولم يجدوا ما يتفقون أو يختلفون عليه, فتفرغوا لصراعاتهم البينية حول هويتهم...
تجاهل العرب, المذابح الدموية الوحشية, التي ترتكبها النازية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني علي مدي الساعة, وأغمض العرب عيونهم عن الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب العراقي تحت الاحتلال...
وألقي العرب وراء ظهورهم, كل مآسي حياتهم التعسة, من الفقر إلي التخلف, ومن الفساد إلي الاستبداد, وتناسي العرب حقيقة المتغيرات الجديدة التي حولتهم من دول مستقلة إلي دول محتلة, تعبث فيها الجيوش الغربية الاستعمارية, تمزيقا وترويعا, دون حتي تململ عربي من عودة الاستعمار وسقوط الاستقلال الوطني والقومي...
كل ذلك لم يعد يشغل عرب اليوم لأنه ليس مهما, لكن الذي يشغلهم ويهمهم هو تأجيج حرب الكراهية الدائرة الآن, كراهية العرب لعروبتهم وخلعهم لقوميتهم, واحتقارهم لأنفسهم وثقافتهم وحتي للغتهم... لغة القرآن...
والصورة السوداء هذه تبدو ناصعة واضحة, فالانقسام بين العرب, لم يعد سياسيا وإيديولوجيا فقط, لكنه للغرابة أصبح انقساما ثقافيا ومذهبيا, وعكس نفسه بالضرورة إعلاميا ودعائيا, علي نحو ما نقرأ ونسمع في بعض الصحف ووسائل الإعلام العربية...
لقد كان مفهوما أن يجري الانقسام ويحدث الصراع ـ كما حدث في السابق ـ بين دول عربية ثورية وأخري محافظة, بين دول شبه ديمقراطية وأخري استبدادية, بين دول غنية وأخري فقيرة, بين دول النفط ودول القحط, لكن غير المفهوم أن يحدث الصراع ويجري الانقسام الآن, بين من يؤمن بالعروبة كمظلة قومية, وبين من يكفر بها علنا بل ويدينها عائدا إلي التمسك بأصوله المحلية, المصرية الفرعونية, الأشورية, الفينيقية, الكنعانية والبربرية الأمازيجية.. إلخ.
الخطورة في الأمر أن الانقسام لم يعد كما كان بين الدول والنظم والأجهزة الرسمية, ولكنه أصبح صراعا نزل إلي الشارع, يحاولون تعميقه بين الناس البسطاء الذين كانوا بالأمس القريب يفخرون بأنهم عرب!
هكذا أصبحت الموضة الشائعة الآن, وفي هذه الظروف السياسية والعسكرية المتوترة, هي اتهام القومية العربية بأنها أصل البلاء, واتهام العروبة بالتخلف والاستبداد والتعصب القومي المرذول, ومن الطبيعي أن تجد هذه الدعاوي هوي في نفوس الغرب عامة, وفي نفوس الأمريكيين خاصة, الذين كثيرا ما أعلنوا صراحة عداءهم لهذه القومية العربية, منذ صدامهم السياسي الشهير مع جمال عبدالناصر خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي, ومن الطبيعي والمنتظر أن تزيد ماكينة الإعلام والدعاية الأمريكية, الصراع العربي ـ العربي حول قوميتهم وهويتهم, حتي تنعدم فكرة التوحد العربي وتدفن في رمال الصحراء القاحلة!
لكن من غير الطبيعي أن يسقط العرب في أسر هذا الصراع والانقسام, علي النحو الذي نراه ونسمعه الآن, وهو ما يثير القلق, ليس علي فكرة القومية فقط, بل علي حاضر العرب ومستقبلهم دولا ونظما وشعوبا وأفرادا وحكاما...
أوليس الأمر يحتاج إلي مناقشة حرة مفتوحة إلي حوار عقلاني, إلي وقفة لمراجعة النفس والقول والفعل!!
***
حين نختبر الأمر علي أرض الواقع اليوم, نلاحظ أن العراق الجديد في ظل الاحتلال الأنجلو أمريكي, الذي أزاح نظاما قمعيا سلطويا كان يدعي أنه قومي عروبي, قد أصبح ميدان الصراع ـ الانقسام حول الانتماء, أو عدم الانتماء للعروبة, إذ ترتفع من قلب بغداد عاصمة الخلافة العباسية والازدهار العربي, صرخات متشنجة من قوي سياسية ركبت سطح الأحداث في ظروف سقوط النظام الصدامي البعثي السابق, تنادي بتخليص العراق الجديد من وصمة العروبة, وتنادي بالانسحاب نهائيا من كل عمل عربي مشترك, وفي المقدمة منه الجامعة العربية, وبالعودة إلي الأصول البابلية والأشورية والسومرية والكردية والتركمانية, في ظل حملات مكثفة لإدانة كل العرب والحض علي كراهيتهم, لأنهم ناصروا في الماضي صدام حسين ديكتاتور العراق, وساندوا حروبه وأحلامه وأوهامه, وزينوا له اخطاءه ومغامراته, وصمتوا علي المذابح الجماعية والمقابر الجماعية التي دفن فيها آلاف العراقيين...
والمؤكد في نظرنا أن بعض هذه الاتهامات صحيح, ونحن نعرف وغيرنا يعرف, من ناصر صدام وسانده ومول مغامراته, اتقاء لشره أو جلبا لمنفعته واستفادة من عطاياه, وصولا للصمت الفظيع علي جرائم حكمه ضد شعبه وضد جيرانه وضد حتي أصدقائه وحلفائه, الذين سبق أن أيدوه ومولوه, لكن تعميم الاتهامات لتطول كل الدول العربية, وتصيب الشعوب هو الخطر المحدق, الذي يزرع الفتنة الكبري الجديدة, بين العراقيين وباقي العرب فتباعد بين الطرفين ربما حتي القطيعة...
المؤكد أيضا أن ترويج بعض الساسة العراقيين العائدين من المنفي, في معية قوات الاحتلال الأنجلوأمريكي, لمثل هذه الدعاية السوداء ذات التعميم الأعمي, مفهوم, بسبب شعورهم بأن الشعب العراقي مثل باقي العرب, يعرف أنهم عملاء للاحتلال سيزولون بزواله ويدانون مثل إدانته... لكن المفزع حقا وغير المعقول, أن يوقع500 مثقف عراقي ـ هكذا وصفوا في الأنباء ـ علي وثيقة إدانة للعروبة كقومية وثقافة وتاريخ وتراث مشترك, تطالب بقطع كل العلاقات العراقية مع الدول العربية والانسحاب نهائيا من الجامعة العربية...
المفزع أكثر أن يتلقف بعض أعضاء مجلس الحكم الذي عينته سلطة الاحتلال, هذه الدعاوي, لشن هجوم أكثر عنفا علي العرب والعروبة, في وقت يرسل فيه هذا المجلس وفودا إلي العواصم العربية المختلفة, بل وإلي مقر الجامعة العربية, طالبا الحوار والتواصل, بعد أن فشلت سلطة الاحتلال في منحه الشرعية العربية أو الدولية حتي الآن... أما الأكثر إفزاعا فهو أن تستغل بعض الجماعات الدينية والمذهبية, الأمر لتعيد إنتاج الدعاوي السابقة, بأن العروبة والقومية كفر وبهتان يراد بها محاربة الإسلام, وكأن الإسلام والعروبة عدوان متصادمان, وليسا وجهين لعملة واحدة في سبيكة واحدة, هي قوام تاريخ هذه الأمة وأساسها الثقافي والتاريخي والحضاري...
ليس غريبا إذن أن تجد هذه الدعاوي المتشنجة المتأثرة بفورة الدم العراقي, بعد التخلص من حكم الدم الصدامي, هوي في النفوس الغربية والأمريكية, وان تعزف ماكينة الدعاية علي ألحانها الشاذة وصولا للكريشندو, بل ليس غريبا أن توضع غدا وقسرا في مناهج الدراسة التعليمية لإعادة تأهيل الأجيال العراقية الجديدة, وفق ما تعلنه السياسة الأمريكية صباح مساء بشأن صياغة مستقبل العراق الجديد!
***
وبرغم خطورة هذه الدعاوي العنصرية التقسيمية المعادية للعروبة والكارهة للقومية, باسم المصلحة الوطنية وحدها, إلا أننا نعتقد أنها مجرد فورة متشنجة, جاءت رد فعل لممارسات النظام البعثي الصدامي السابق, الذي أخفي جرائمه وراء الشعارات القومية, وهي فورة سرعان ما ستهدأ بهدوء الوضع العراقي, وعودته إلي طبيعته, وتولي أبنائه الحقيقيين أمور بلدهم...
لكن الأمر لا يحتمل سياسة المهادنة والصمت والتجاهل, انتظارا لهدوء الفورة وعودة الأوضاع السياسية في العراق إلي طبيعتها, إنما الأمر يستدعي منا المواجهة بالحوار العقلاني والنصح الرشيد, والتبصير الواعي بأن القومية العربية, ليست اختيارا ولا هي ترف, بل هي تاريخ وحضارة وثقافة ولغة ودين, وفوق ذلك وتحته مصالح وضرورات مادية وسياسية وأمنية مشتركة, خصوصا في عصر العولمة وتكتلاتها الكبري, وكلها أمور لا تغيب عن وعي الشعب العراقي بكل عمقه وتضحياته وانتماءاته...
ومن فضائل مثل هذا الحوار والنصح والتبصير, أن نقطع الطريق علي الذين يجتهدون الآن في زرع ألغام الفتن ومخططات التقسيم العنصري بين أمة العرب, التي كانت خير أمة أخرجت للناس... ومن فضائله, أيضا أن نتصارح بعلانية, ليعترف كل مخطئ بأخطائه, وخصوصا كل من تورط في دعم ومساندة النظام السابق, سواء من الحكومات والنظم العربية الحاكمة.. أو حتي الأفراد, لأن هذا التواطؤ هو الذي شجع علي الغي والذبح والغزو والاستبداد, فإذا به يستغل الآن ذريعة ليس لإدانة المتورطين, ولكن لإدانة العروبة وكراهية العرب...
ولعل هذا كله يذكرنا الآن, بأن شعوبا عربية أخري قبل العراقيين, قد مرت بهذه الدعوات العنصرية المتشنجة, حين حاول كثيرون جرها بعيدا عن سربها العربي وخلعها من محيطها القومي, وتغذية التيارات الانعزالية داخلها...
هل نذكر ماحدث لمصر وفي مصر بعد معاهدة كامب ديفيد والصلح مع إسرائيل عامي1979,1978, ابتداء بتخوين مصر والمصريين حكومة وشعبا وثقافة وحضارة, وفرض العزلة عليها ومقاطعتها, وصولا لبعث التيار الانعزالي الداخلي المنادي بمصر غير العربية, التي تتطلع إلي أوروبا وأمريكا, وتقاطع العرب وتخلع العروبة, ردا علي هجمات عرب آخرين, كان في مقدمتهم النظام العراقي في العراق نفسه...
وهل نذكر ماجري للكويت وفي الكويت, بعد غزو العراق له في1990, ثم تحريره بحرب عاصفة الصحراء في1991, ابتداء باتهام العرب بمساعدة صدام حسين في جريمته غير المسبوقة, وانتهاء بدعوات متشنجة تطايرت وقتها أيضا, بنفض اليد الكويتية من العرب والعروبة وهمومها ومشاكلها, والالتحاق بأمريكا التي حررت الكويت وحدها, لتحميها من أطماع العرب وحقدهم علي الثراء النفطي!
***
هذان مثالان فقط وردا علي الذهن الآن, لكننا نعرف أن تاريخ العرب والعروبة مليء بالخلافات, التي تظل خلافات, ولا تتحول بالضرورة إلي انقسامات حادة, وتقسيمات مشبوهة, تحدث وتزول تطرأ وتسقط, وهو ماسيحدث أيضا للموجة العراقية المتشنجة الحالية... لكن لكي يحدث ذلك, فإن الأمر يتطلب التنبيه, كما يتطلب المراجعة...
أما التنبيه, فهو ضرورة الإدراك بأن خلع العروبة وكراهية العرب, ليس في مصلحة أي عربي حاكما أو محكوما, لأن التقسيم هدف غربي قديم, يتجدد الآن بقوة علي أيدي التحالف الأنجلوأمريكي الصهيوني, الذي يسعي لفرض الهيمنة المطلقة علينا جميعا...
وتبقي المراجعة, وهذه مسئولية المثقفين العرب قبل السياسيين وبعدهم, نطرحها في عجالة علي شكل أسئلة, تنتظر منا الإجابات...
هل العروبة رداء نلبسه في الصباح ونخلعه في المساء, أم هو عقل وروح وجسد هذه الأمة؟! هل المنطلق النظري للقومية العربية صحيح أم هو خاطئ من الأصل؟ هل دواعي العمل العربي المشترك الآن وفي المستقبل, ضرورة سياسية استراتيجية ومادية أم لا؟, هل أخطاء ممارسة بعض نظم الحكم ـ وكم هي كثيرة ـ تبرر هدم المشروع القومي كله لمصلحة المشروع الصهيوني الغربي, هل الصمت المريب من جانب الشعوب والمثقفين علي أخطاء الممارسة, ساعد علي الاصلاح أم هو الذي أدي إلي مزيد من الأخطاء, التي تستغل الآن لهدم المعبد علي رؤوس الجميع؟, ثم هل خلع العروبة والحض علي كراهية العرب, سيجلي الوجود الأجنبي الثقيل ويعيد تحرير بلادنا من براثن الاستعمار الجديد, أم يساعد علي تقسيم العرب إلي دويلات أكثر وكانتونات أصغر ونظم أضعف وحكام أسوأ؟!!
تعالوا إذن إلي كلمة سواء, الآن قبل فوات الأوان!
***
** خير الكلام:
يقول المتنبي:
شر البلاد بلاد لا صديق بها
وشر مايكسب الانسان ما يصم
حين يكره العرب عروبتهم!
بقلم: صلاح الدين حافظ
الحمد لله.. انتهي العرب من حل جميع مشاكلهم, ولم يجدوا ما يتفقون أو يختلفون عليه, فتفرغوا لصراعاتهم البينية حول هويتهم...
تجاهل العرب, المذابح الدموية الوحشية, التي ترتكبها النازية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني علي مدي الساعة, وأغمض العرب عيونهم عن الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب العراقي تحت الاحتلال...
وألقي العرب وراء ظهورهم, كل مآسي حياتهم التعسة, من الفقر إلي التخلف, ومن الفساد إلي الاستبداد, وتناسي العرب حقيقة المتغيرات الجديدة التي حولتهم من دول مستقلة إلي دول محتلة, تعبث فيها الجيوش الغربية الاستعمارية, تمزيقا وترويعا, دون حتي تململ عربي من عودة الاستعمار وسقوط الاستقلال الوطني والقومي...
كل ذلك لم يعد يشغل عرب اليوم لأنه ليس مهما, لكن الذي يشغلهم ويهمهم هو تأجيج حرب الكراهية الدائرة الآن, كراهية العرب لعروبتهم وخلعهم لقوميتهم, واحتقارهم لأنفسهم وثقافتهم وحتي للغتهم... لغة القرآن...
والصورة السوداء هذه تبدو ناصعة واضحة, فالانقسام بين العرب, لم يعد سياسيا وإيديولوجيا فقط, لكنه للغرابة أصبح انقساما ثقافيا ومذهبيا, وعكس نفسه بالضرورة إعلاميا ودعائيا, علي نحو ما نقرأ ونسمع في بعض الصحف ووسائل الإعلام العربية...
لقد كان مفهوما أن يجري الانقسام ويحدث الصراع ـ كما حدث في السابق ـ بين دول عربية ثورية وأخري محافظة, بين دول شبه ديمقراطية وأخري استبدادية, بين دول غنية وأخري فقيرة, بين دول النفط ودول القحط, لكن غير المفهوم أن يحدث الصراع ويجري الانقسام الآن, بين من يؤمن بالعروبة كمظلة قومية, وبين من يكفر بها علنا بل ويدينها عائدا إلي التمسك بأصوله المحلية, المصرية الفرعونية, الأشورية, الفينيقية, الكنعانية والبربرية الأمازيجية.. إلخ.
الخطورة في الأمر أن الانقسام لم يعد كما كان بين الدول والنظم والأجهزة الرسمية, ولكنه أصبح صراعا نزل إلي الشارع, يحاولون تعميقه بين الناس البسطاء الذين كانوا بالأمس القريب يفخرون بأنهم عرب!
هكذا أصبحت الموضة الشائعة الآن, وفي هذه الظروف السياسية والعسكرية المتوترة, هي اتهام القومية العربية بأنها أصل البلاء, واتهام العروبة بالتخلف والاستبداد والتعصب القومي المرذول, ومن الطبيعي أن تجد هذه الدعاوي هوي في نفوس الغرب عامة, وفي نفوس الأمريكيين خاصة, الذين كثيرا ما أعلنوا صراحة عداءهم لهذه القومية العربية, منذ صدامهم السياسي الشهير مع جمال عبدالناصر خلال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي, ومن الطبيعي والمنتظر أن تزيد ماكينة الإعلام والدعاية الأمريكية, الصراع العربي ـ العربي حول قوميتهم وهويتهم, حتي تنعدم فكرة التوحد العربي وتدفن في رمال الصحراء القاحلة!
لكن من غير الطبيعي أن يسقط العرب في أسر هذا الصراع والانقسام, علي النحو الذي نراه ونسمعه الآن, وهو ما يثير القلق, ليس علي فكرة القومية فقط, بل علي حاضر العرب ومستقبلهم دولا ونظما وشعوبا وأفرادا وحكاما...
أوليس الأمر يحتاج إلي مناقشة حرة مفتوحة إلي حوار عقلاني, إلي وقفة لمراجعة النفس والقول والفعل!!
***
حين نختبر الأمر علي أرض الواقع اليوم, نلاحظ أن العراق الجديد في ظل الاحتلال الأنجلو أمريكي, الذي أزاح نظاما قمعيا سلطويا كان يدعي أنه قومي عروبي, قد أصبح ميدان الصراع ـ الانقسام حول الانتماء, أو عدم الانتماء للعروبة, إذ ترتفع من قلب بغداد عاصمة الخلافة العباسية والازدهار العربي, صرخات متشنجة من قوي سياسية ركبت سطح الأحداث في ظروف سقوط النظام الصدامي البعثي السابق, تنادي بتخليص العراق الجديد من وصمة العروبة, وتنادي بالانسحاب نهائيا من كل عمل عربي مشترك, وفي المقدمة منه الجامعة العربية, وبالعودة إلي الأصول البابلية والأشورية والسومرية والكردية والتركمانية, في ظل حملات مكثفة لإدانة كل العرب والحض علي كراهيتهم, لأنهم ناصروا في الماضي صدام حسين ديكتاتور العراق, وساندوا حروبه وأحلامه وأوهامه, وزينوا له اخطاءه ومغامراته, وصمتوا علي المذابح الجماعية والمقابر الجماعية التي دفن فيها آلاف العراقيين...
والمؤكد في نظرنا أن بعض هذه الاتهامات صحيح, ونحن نعرف وغيرنا يعرف, من ناصر صدام وسانده ومول مغامراته, اتقاء لشره أو جلبا لمنفعته واستفادة من عطاياه, وصولا للصمت الفظيع علي جرائم حكمه ضد شعبه وضد جيرانه وضد حتي أصدقائه وحلفائه, الذين سبق أن أيدوه ومولوه, لكن تعميم الاتهامات لتطول كل الدول العربية, وتصيب الشعوب هو الخطر المحدق, الذي يزرع الفتنة الكبري الجديدة, بين العراقيين وباقي العرب فتباعد بين الطرفين ربما حتي القطيعة...
المؤكد أيضا أن ترويج بعض الساسة العراقيين العائدين من المنفي, في معية قوات الاحتلال الأنجلوأمريكي, لمثل هذه الدعاية السوداء ذات التعميم الأعمي, مفهوم, بسبب شعورهم بأن الشعب العراقي مثل باقي العرب, يعرف أنهم عملاء للاحتلال سيزولون بزواله ويدانون مثل إدانته... لكن المفزع حقا وغير المعقول, أن يوقع500 مثقف عراقي ـ هكذا وصفوا في الأنباء ـ علي وثيقة إدانة للعروبة كقومية وثقافة وتاريخ وتراث مشترك, تطالب بقطع كل العلاقات العراقية مع الدول العربية والانسحاب نهائيا من الجامعة العربية...
المفزع أكثر أن يتلقف بعض أعضاء مجلس الحكم الذي عينته سلطة الاحتلال, هذه الدعاوي, لشن هجوم أكثر عنفا علي العرب والعروبة, في وقت يرسل فيه هذا المجلس وفودا إلي العواصم العربية المختلفة, بل وإلي مقر الجامعة العربية, طالبا الحوار والتواصل, بعد أن فشلت سلطة الاحتلال في منحه الشرعية العربية أو الدولية حتي الآن... أما الأكثر إفزاعا فهو أن تستغل بعض الجماعات الدينية والمذهبية, الأمر لتعيد إنتاج الدعاوي السابقة, بأن العروبة والقومية كفر وبهتان يراد بها محاربة الإسلام, وكأن الإسلام والعروبة عدوان متصادمان, وليسا وجهين لعملة واحدة في سبيكة واحدة, هي قوام تاريخ هذه الأمة وأساسها الثقافي والتاريخي والحضاري...
ليس غريبا إذن أن تجد هذه الدعاوي المتشنجة المتأثرة بفورة الدم العراقي, بعد التخلص من حكم الدم الصدامي, هوي في النفوس الغربية والأمريكية, وان تعزف ماكينة الدعاية علي ألحانها الشاذة وصولا للكريشندو, بل ليس غريبا أن توضع غدا وقسرا في مناهج الدراسة التعليمية لإعادة تأهيل الأجيال العراقية الجديدة, وفق ما تعلنه السياسة الأمريكية صباح مساء بشأن صياغة مستقبل العراق الجديد!
***
وبرغم خطورة هذه الدعاوي العنصرية التقسيمية المعادية للعروبة والكارهة للقومية, باسم المصلحة الوطنية وحدها, إلا أننا نعتقد أنها مجرد فورة متشنجة, جاءت رد فعل لممارسات النظام البعثي الصدامي السابق, الذي أخفي جرائمه وراء الشعارات القومية, وهي فورة سرعان ما ستهدأ بهدوء الوضع العراقي, وعودته إلي طبيعته, وتولي أبنائه الحقيقيين أمور بلدهم...
لكن الأمر لا يحتمل سياسة المهادنة والصمت والتجاهل, انتظارا لهدوء الفورة وعودة الأوضاع السياسية في العراق إلي طبيعتها, إنما الأمر يستدعي منا المواجهة بالحوار العقلاني والنصح الرشيد, والتبصير الواعي بأن القومية العربية, ليست اختيارا ولا هي ترف, بل هي تاريخ وحضارة وثقافة ولغة ودين, وفوق ذلك وتحته مصالح وضرورات مادية وسياسية وأمنية مشتركة, خصوصا في عصر العولمة وتكتلاتها الكبري, وكلها أمور لا تغيب عن وعي الشعب العراقي بكل عمقه وتضحياته وانتماءاته...
ومن فضائل مثل هذا الحوار والنصح والتبصير, أن نقطع الطريق علي الذين يجتهدون الآن في زرع ألغام الفتن ومخططات التقسيم العنصري بين أمة العرب, التي كانت خير أمة أخرجت للناس... ومن فضائله, أيضا أن نتصارح بعلانية, ليعترف كل مخطئ بأخطائه, وخصوصا كل من تورط في دعم ومساندة النظام السابق, سواء من الحكومات والنظم العربية الحاكمة.. أو حتي الأفراد, لأن هذا التواطؤ هو الذي شجع علي الغي والذبح والغزو والاستبداد, فإذا به يستغل الآن ذريعة ليس لإدانة المتورطين, ولكن لإدانة العروبة وكراهية العرب...
ولعل هذا كله يذكرنا الآن, بأن شعوبا عربية أخري قبل العراقيين, قد مرت بهذه الدعوات العنصرية المتشنجة, حين حاول كثيرون جرها بعيدا عن سربها العربي وخلعها من محيطها القومي, وتغذية التيارات الانعزالية داخلها...
هل نذكر ماحدث لمصر وفي مصر بعد معاهدة كامب ديفيد والصلح مع إسرائيل عامي1979,1978, ابتداء بتخوين مصر والمصريين حكومة وشعبا وثقافة وحضارة, وفرض العزلة عليها ومقاطعتها, وصولا لبعث التيار الانعزالي الداخلي المنادي بمصر غير العربية, التي تتطلع إلي أوروبا وأمريكا, وتقاطع العرب وتخلع العروبة, ردا علي هجمات عرب آخرين, كان في مقدمتهم النظام العراقي في العراق نفسه...
وهل نذكر ماجري للكويت وفي الكويت, بعد غزو العراق له في1990, ثم تحريره بحرب عاصفة الصحراء في1991, ابتداء باتهام العرب بمساعدة صدام حسين في جريمته غير المسبوقة, وانتهاء بدعوات متشنجة تطايرت وقتها أيضا, بنفض اليد الكويتية من العرب والعروبة وهمومها ومشاكلها, والالتحاق بأمريكا التي حررت الكويت وحدها, لتحميها من أطماع العرب وحقدهم علي الثراء النفطي!
***
هذان مثالان فقط وردا علي الذهن الآن, لكننا نعرف أن تاريخ العرب والعروبة مليء بالخلافات, التي تظل خلافات, ولا تتحول بالضرورة إلي انقسامات حادة, وتقسيمات مشبوهة, تحدث وتزول تطرأ وتسقط, وهو ماسيحدث أيضا للموجة العراقية المتشنجة الحالية... لكن لكي يحدث ذلك, فإن الأمر يتطلب التنبيه, كما يتطلب المراجعة...
أما التنبيه, فهو ضرورة الإدراك بأن خلع العروبة وكراهية العرب, ليس في مصلحة أي عربي حاكما أو محكوما, لأن التقسيم هدف غربي قديم, يتجدد الآن بقوة علي أيدي التحالف الأنجلوأمريكي الصهيوني, الذي يسعي لفرض الهيمنة المطلقة علينا جميعا...
وتبقي المراجعة, وهذه مسئولية المثقفين العرب قبل السياسيين وبعدهم, نطرحها في عجالة علي شكل أسئلة, تنتظر منا الإجابات...
هل العروبة رداء نلبسه في الصباح ونخلعه في المساء, أم هو عقل وروح وجسد هذه الأمة؟! هل المنطلق النظري للقومية العربية صحيح أم هو خاطئ من الأصل؟ هل دواعي العمل العربي المشترك الآن وفي المستقبل, ضرورة سياسية استراتيجية ومادية أم لا؟, هل أخطاء ممارسة بعض نظم الحكم ـ وكم هي كثيرة ـ تبرر هدم المشروع القومي كله لمصلحة المشروع الصهيوني الغربي, هل الصمت المريب من جانب الشعوب والمثقفين علي أخطاء الممارسة, ساعد علي الاصلاح أم هو الذي أدي إلي مزيد من الأخطاء, التي تستغل الآن لهدم المعبد علي رؤوس الجميع؟, ثم هل خلع العروبة والحض علي كراهية العرب, سيجلي الوجود الأجنبي الثقيل ويعيد تحرير بلادنا من براثن الاستعمار الجديد, أم يساعد علي تقسيم العرب إلي دويلات أكثر وكانتونات أصغر ونظم أضعف وحكام أسوأ؟!!
تعالوا إذن إلي كلمة سواء, الآن قبل فوات الأوان!
***
** خير الكلام:
يقول المتنبي:
شر البلاد بلاد لا صديق بها
وشر مايكسب الانسان ما يصم