مشاهدة النسخة كاملة : الخلافة العباسية
ألاسيف
08-27-2003, 02:09 PM
العصر العباسي الأول
انتقال الخلافة إلى بني العباس
انتقلت الخلافة إلى بني العباس بعد نجاح الدعوة السرية التي أطلقها دعاتهم منذ بداية السنة المائة للهجرة في خراسان حتى سنة 132هـ, وفيها انكشف سر الدعوة التي كان ظاهرها الدعوة لاختيار خليفة من بيت آل النبي صلى الله عليه وسلم يرضى عنه المسلمون, وكان يطلق عليها (الرضى من آل محمد), إمعانا في الكتمان. ثم تبين أنها كانت تخفي الدعوة لبني العباس.
وفي يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول سنة 132هـ دخل الكوفة أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وبويع في مسجدها, وألقى في أهل الكوفة خطابا, بين فيه حق بني العباس في الخلافة, وجاء فيه مخاطبا إياهم: (.... وقد زدت في أعطياتكم مائة درهم فاستعدوا, فأنا السفاح المبيح, والثائر المبير) , فلقب بالسفاح.
ومن ذلك اليوم طوي علم بني أمية الأبيض وارتفع علم بني العباس الأسود. وأخذ عما السفاح عبد الله وصالح ولدا علي بن عبد الله العباسي يطاردون بني أمية بعد هزيمة مروان بن محمد آخر خلفائهم والقبض عليه في (بوصير) بمصر وقتله, فنبشوا قبور بني أمية في دمشق وأحرقوا ما تبقى من رفاتها وغدروا بجمع كبير من بني أمية في فلسطين فقتلوهم على شاطئ نهر (فطرس) وتشتت من نجا منهم في الآفاق, وتشردت نساؤهم حتى باتوا من السائلين .
ألاسيف
08-27-2003, 02:10 PM
النتائج التي ترتبت على انتقال الحكم إلى بني العباس
ترتب على انتقال الحكم إلى بني العباس النتائج التالية:
أولا - نقل العاصمة من الشام إلى العراق وانتصار أهل العراق على أهل الشام بعد صراع دام أكثر من قرنين.
ثانيا - انتقال النشاط التجاري إلى العراق, وربط التجارة البرية ببغداد والبحرية بالبصرة.
ثالثا - قيام صراع بين أشراف العرب وأشراف الموالي من الفرس على نيل مناصب الدولة, وإيثار الموالي بهذه المناصب.
رابعا - اشتداد مقاومة الناقمين من العلويين والخوارج وتوالي ثوراتهم على الحكم العباسي, وانشغال الدولة بقمعها مما أدى:
ا - إلى توقف الفتوحات وتحول الدولة العباسية من موقف الهجوم - وهو موقف الدولة الأموية - إلى موقف الدفاع, واعتبار الحدود التي وصل إليها الأمويون في فتوحاتهم, حدودا نهائية والوقوف عندها والاكتفاء بالدفاع عنها.
ب - عجز الدولة عن ضبط الحكم في الولايات الإفريقية, مما اضطرها إلى السكوت والاعتراف بحالة راهنة قضت بانتزاع بعض الأقاليم من سيادة الدولة, كما فعل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي الملقب بالداخل, حين انتزع الأندلس سنة 138هـ وأقام فيها إمارة مستقلة تحولت إلى خلافة سنة 300هـ في عهد عبد الرحمن الناصر وكما فعل إدريس الأول, بعد نجاته في وقعة (فخ) سنة 169هـ, وإقامته في المغرب دولة علوية مستقلة, كذلك أدى اختلال الأمور في المغرب الأدنى (تونس) إلى تولية إبراهيم بن الأغلب عليه ومنحه الاستقلال الذاتي سنة 184هـ, وإنشائه دولة بني الأغلب, لتحول دون امتداد دولة الأدارسة نحو المشرق. وإلى جانب هذه الدول المستقلة التي انفصلت سياسيا وإداريا عن دولة بني العباس, نشأت في إفريقية إمارات مستقلة كأمارة بني مدرار التي أنشأها في (سجلماسة) أبو القاسم سمغو سنة 155هـ, والإمارة الرستمية التي أنشأها عبد الرحمن بن رستم في (تاهرت) سنة 160هـ, وكانت كلا الإمارتين تدينان بمذهب الخوارج.
خامسا - تخصيص بعض الولاة بإقليم من أقاليم الدولة استقلالا, مكافأة لهم لقيامهم بخدمة الدولة, كما فعل المأمون بتخصيص طاهر بن الحسين بإقليم خراسان إمارة مستقلة يتوارثها أبناؤه من بعده, وذلك مكافأة له للتغلب على أخيه الأمين في حصاره لبغداد والفوز بقتله وحمل رأسه إليه.
ألاسيف
08-27-2003, 02:12 PM
العصر العباسي الثاني
السمات التي يتميز بها العصر العباسي الثاني
أولا - تغلب المتغلبين على الخلافة
يعتبر إقدام القادة الأتراك على قتل الخليفة المتوكل على الله في الخامس عشر من شهر شوال سنة 247هـ, بداية العصر العباسي الثاني, وفيه استبد القادة بالسلطة, وأصبح الخليفة طوع إرادتهم وأسير هواهم, وقد عبر عن ذلك شاعر فقال:
خليفـــة فـــي قفــص
بيـن وصيـف وبغـا
يقــول مـــا قــالا لـه
كمــــا تقول الببغا
وقد أصبح مصير الخلافة في أيديهم, فمن شاءوا خلعوه ثم قتلوه, ومن شاءوا ألزموه خلع نفسه وسملوه وصادروا أمواله. وحين خلع الخليفة أحمد المستعين بالله, وهو أول خليفة خلع, لم يلبث أن قتل بعد خلعه.
وقد تنبأ الناس بمصير من تتابع بعده من خلفاء بني العباس, وسار في الناس شعر قيل في ذلك اليوم يقول:
خـــلع الخليفـــة أحـمد
وسيقتل التالي لـه أو يخلع
إيهـا بنـي العباس إن سـبيلكم
في قتل أعبدكم سبيل مهيع
رقعتــم دنيـــاكم فتمـزقت
بكــم الحياة تمزقا لا يرقع
ولما استولى البويهيون على السلطة بعد الأتراك, اتبعوا نهجهم, فكان الأمير البويهي يولي الخلافة من يشاء ويخلع من يشاء وكان الخلع كثيرا ما يتم بالذل والهوان, ويصف لنا الشريف الرضي بقصيدة مؤثرة مشهد خلع الخليفة الطائع في يوم عرف بيوم الدار .
وكان خلع الخليفة يوم ابتهاج عند الجند, ففيه يجري نهب دار الخلافة وفيه يطالب الجند الخليفة الجديد برسم (بيعته). وكان يجري على الخليفة المخلوع نفقة قد لا تكفيه, فيضطر إلى التكفف واستعطاف الناس, كما جرى للخليفة القاهر بالله بعد خلعه ومصادرة أمواله وسمله, فكان يخرج إلى جامع المنصور ويتكفف المصلين ويقول: تصدقوا علي فأنا من قد عرفتم .
وقد تحقق ما قيل في خلفاء بني العباس من خلع وسمل وقتل. فقد توالى على الخلافة منذ خلافة المنتصر بالله سنة 248هـ إلى خلافة المستظهر بالله سنة 487هـ, أي خلال 239 سنة, سبعة عشر خليفة, منهم أربعة قتلوا وهم: المستعين بالله والمعتز بالله والمهتدي بالله والمقتدر بالله, ومنهم ثلاثة خلعوا وسملوا وهم: القاهر بالله والمتقي لله والمستكفي بالله, ومنهم اثنان أجبرا على خلع نفسيهما وهم: المطيع والطائع, وهناك خليفتان قيل في بعض الروايات أنهما قتلا بالسم وهما: المعتمد على الله والمعتضد بالله, فيكون مجموع من قتل وخلع ومات بالسم عشر خلفاء.
ألاسيف
08-27-2003, 02:21 PM
ثانيا - عزل الوزراء ومصادرتهم
لم يكن حال الوزراء بأفضل من حال الخلفاء, فكان الوزير يأتمر بأمر المتغلبين, فإذا غضبوا عليه عزلوه وصادروا أمواله, وقد يقتلونه, كما جرى للوزير أحمد بن إسرائيل ولكاتبه عيسى بن نوح. فقد صادرهما القائد التركي صالح بن وصيف وقتلهم ضربا بالسياط . ومثل ذلك بل أشد جرى لكثير من الوزراء.
وكثيرا ما كان الوزير يُنصب ثم يُعزل, ويتكرر نصبه وعزله عدة مرات لا يفصل بينهما إلا أمد قصير, وغالبا ما كان ينتهي عزله بمصادرته وقتله, ومع ذلك فإن الكثيرين كانوا يطمعون في تولي الوزارة, ويبذلون المال في سبيل توزيرهم.
ذلك أن الوزارة كانت موردا للثراء الفاحش عن طريق الرشاوى, من ذلك أن محمد بن عبيد الله بن خاقان وزير المعتضد بالله كان يأخذ الرشوة من كل طالب وظيفة, وربما عين للوظيفة الواحدة عددا من الموظفين, وقيل إنه عين في يوم واحد تسعة عشر ناظرا للكوفة وأخذ من كل واحد رشوة. وإذا كان الوزير حسن السياسة, وكان ذا دهاء وذكاء فإنه يستطيع أن ينال من الخليفة أو الأمير البويهي تفويضا بتصريف أمور الدولة, وكان أهمها ضمان الخراج وتعيين الولاة والعمال والقضاة والكتاب, فيكون للوزير على من يوليه جبايات يجني منها ربحا وفيرا, ويثري به ثراء فاحشا.
من أجل ذلك كانت الوزارة هدفا للدسائس من حاسدي الوزير, الطامعين في منصبه, فإذا أفلح الدس على الوزير عزل وصودرت أمواله, وكان ما يصادر يعد بآلاف الآلاف من الدنانير, ومع ذلك فقد يسلم له الكثير مما يكون قد طمره في حفرة, أو أخفاه في مكان بعيد. لذلك كانوا يعتبرون الوزارة مركز ابتلاء ونقمة, ولا تلبث أيامها القصار أن تنتهي ببلاء حتي قيل في ذلك:
إذا أبصرت فـي خلع وزيرا فقل أبشر بقاصمة الظهور
بأيام طـوال فــي بـلاء وأيام قصار في سـرور
وكثيرا ما كان يصح الرأي في الوزير المعزول أو تنجح الشفاعة فيه, فيستوزر للمرة الثانية والثالثة, فإذا عاد, كان أول ما يفعله بطشه بخصومه وجمعه عن طريق الجبايات والرشاوي ما فقده بالعزل والمصادرة, وفي ذلك يقول شاعر من شعراء ذلك العصر:
وزير لا يمل مـن الرقاعة يولي ثـم يعزل بعـد ساعة
إذا أهل الرشا صاروا إليه فأحظى القوم أوفرهم بضاعة
ألاسيف
08-27-2003, 02:25 PM
ثالثا - ارتزاق صنائع الوزراء
كان لبعض الوزراء صنائع يتكسبون بسلطانهم بأسباب كثيرة.
من ذلك ما روي عن عبيد الله بن وهب وزير الخليفة المعتمد على الله فقد فعل هذا الوزير ما أسخط عليه الموفق بالله, أخو الخليفة والمتغلب عليه. فطلبه فهرب واستتر عند تاجر من تجار بغداد يدعى عبد الله بن أبي عون, ثم صالحه الموفق وعفا عنه. ولما تولى المعتضد بالله بن الموفق الخلافة استوزره, فأراد أن يكافئ ابن أبي عون وحصل له على مائة ألف دينار بالطريقة الآتية: باعه مائة ألف (كر) من غلات الخلافة, وانتقص من قيمة كل كر دينارا.
كذلك سمح له أن يتوسط في قضاء حاجات الناس لقاء مبلغ يقبضه منهم, وكان الوزير يسأله عما يأخذه من كل قضية, فإذا وجد ما قبضه قليلا قال له: هذه القضية تساوي أكثر مما قبضت فارجع فاسترد, فإذا قال له: إنني أستحي, قال له الوزير: عرفهم أني لا أقضي لك حاجتهم إلا بهذا القدر, وأني رسمت لك هذا, فيرجع فيستزيد فيزيدون له وقد جرى ابنه القاسم بن عبيد الله على هذه الخطة عندما خلف أباه في الوزارة,
فقد روي أن إسحاق الزجاج الإمام في اللغة والنحو, كان مؤدبا للقاسم وهو صغير, فقال له يوما: إن بلغك الله مبلغ أبيك في الوزارة, ما تصنع بي؟ فقال: ما أحببت, فقال له: تعطيني عشرين ألف دينار, فقال: نعم. وولي القاسم الوزارة في عهد الخليفة المعتضد بالله والخليفة المكتفي بالله, وجاء الزجاج يستنجز الوعد, فأمره أن يجلس للناس ويأخذ رقاعهم للحوائج الكبار ويتقاضى أجرا عليها, فجمع بذلك أضعاف ما كان يتمناه بعلم الوزير .
ألاسيف
08-27-2003, 02:30 PM
رابعا - ابتداع الألقاب والكنى
كان خلفاء بني أمية يتكنون, على عادة العرب, بأسماء أكبر أبنائهم ويلقبون بأمير المؤمنين, كما كان يلقب الخلفاء الراشدون من عهد عمر بن الخطاب .
ولما انتقلت الخلافة إلى بني العباس أضافوا إلى هذا اللقب ألقابا تدل على صفة يتميز بها الخليفة. فقد عرف عبد الله أبو العباس أول خليفة عباسي, بلقب (السفاح) وتلقب أخوه عبد الله أبو جعفر بلقب (المنصور) وتلقب ابنه محمد من بعده بلقب (المهدي) وتلقب من بعده ولداه, موسى وهارون بلقب موسى (الهادي) وهارون (الرشيد). ولقب الرشيد أولاده الثلاثة: محمد وعبد الله والقاسم بلقب محمد (الأمين) وعبد الله (المأمون) والقاسم (المؤتمن).
ولما تولى الخلافة محمد بن الرشيد خلفا لأخيه المأمون ابتدع لقبا, أضافه إلى اسم الله تعالى فتلقب بمحمد (المعتصم بالله), وجرى الخلفاء من بعده على تقليده, وأصبح الخليفة يعرف بلقبه.
ولما استبد القادة الأتراك بالسلطة منح الخليفة إلى من بيده السلطة منهم لقب (أمير الأمراء) وجاء من بعدهم المتغلبون من بني بوية فأضفى عليهم الخليفة العباسي ألقابا فيها معنى الاعتراف بسلطانهم, فلقب أحمد بن بوية بلقب (معز الدولة) ولقب أخاه عليا بلقب (عماد الدولة) ولقب أخاه الحسن بلقب (ركن الدولة), وتولى تلقيب أبنائهم من بعدهم بمثل تلك الألقاب, كعضد الدولة وجلال الدولة وبهاء الدولة وفخر الدولة.
ولم يكتف بنو بوية بهذه الألقاب, بل أضافوا إليها لقب (السلطان), ومنهم من تلقب بلقب (شاهنشاه) أي ملك الملوك. ثم سرت هذه الألقاب بعد ذلك إلى أمراء الأقاليم المستقلين, فكان من الحمدانيين في الموصل وحلب: ناصر الدولة وسيف الدولة وشبل الدولة, وتبعهم بعد ذلك أمراء بني عقيل في الجزيرة وملوك الإخشيد في مصر, وسلاطين غزنة وكان منهم: ناصر الدولة سبكتكين ويمين الدولة محمود وشهاب الدولة وجمال الدولة وكمال الدولة, وإلى هذه الألقاب أضيفت أيضا كنى كأبي الفضائل وأبي المعالي وما شابه ذلك.
كذلك منح الوزراء وكبار الكتاب المترسلين في ديوان الخلافة ألقابا ترمز إلى مكانتهم وتدل على رتبهم. فقد منح المأمون وزيره الفضل بن سهل لقب (ذو الرئاستين) ومنح أخاه الحسن لقب (ذو الكفاءتين) ومنح طاهر بن الحسين لقب (ذو اليمينين). وجرى الخلفاء من بعده على هذا النحو. فقد لقب الخليفة المعتضد بالله وزيره أبا القاسم علي بن المسلمة بلقب (رئيس الرؤساء) ومنح وزيره محمد بن جهير لقب (فخر الدولة). ولقب الخليفة المستظهر وزيره علي بن محمد بن جهير بلقب (زعيم الرؤساء).
وقد أصبحت الكنى والألقاب في العصر العباسي الثاني موردا للخلفاء, وخاصة بعد أن رفعت عن أيديهم أموال بيت المال في عهد معز الدولة البويهي فكان الخليفة يبيع الألقاب لمن يطلبها, وفي ذلك يقول أبو بكر الخوارزمي:
أما رأيت بني العباس قد فتحوا
من الكنى ومـن الألقاب أبوابا
ولقبوا رجـلا لو عاش أولهم
ما كان يرضى به للقصر بوابا
قـل الدارهم في كفي خليفتنا
هذا فأنفـق في الأقـوام ألقابا
وقد نهج الخلفاء الفاطميون نهج الخلفاء العباسيين في الألقاب, فكان منها المهدي بالله والعزيز بالله والمعتز بالله والحاكم بأمر الله والمستنصر بالله, وفي الأندلس تسمى عبد الرحمن الثالث بن محمد بالخليفة واتخذ لنفسه لقب الناصر لدين الله ونهج أخلافه نهجه, فكان منهم المؤيد بالله والمستعين بالله والمستظهر بالله والمعتد بالله.
واتخذ ملوك الطوائف في الأندلس الألقاب فكان منهم المعتضد بالله ملك أشبيلية وابنه المعتمد على الله وكانت هذه الألقاب على ضخامتها لا تمثل لمن اتخذها لنفسه شيئا من معانيها, حتى تندر بها الشاعر ابن عمار فقال:
مما يزهـدني فـي أرض أندلس
ألاسيف
08-27-2003, 02:37 PM
خامسا - مظالم عمال الخراج
يشمل الخراج ضريبة ما تخرجه الأرض من ثمرات ومحاصيل, وكان يتولى جبايتها مع جباية موارد الدولة الأخرى عمال يدعون (عمال الخراج) وكانوا يتمتعون بسلطة كبيرة. وقد عرفوا بالظلم والعسف فكانوا يجبون أضعاف ما كانوا يضمنون أداءه للدولة.
وقد روى المؤرخون ما كان يجري على أيديهم من المظالم, وما كان يلقى المكلفون من صنوف العذاب. وقد وصف ابن المعتز في أرجوزة نظمها ما كان يلقى المكلفون من أنواع التشهير والتعذيب في أداء ما يفرض عليهم فيقول:
فكم وكم مــن رجـل نبيل
ذي هيبـة ومـركب جـليل
رأيته يعــتل بالأعــوان
إلى الحـبوس وإلـى الديوان
حتى أقيم في جحـيم الهاجرة
ورأســه كمثل قـدر فائره
وجعلوا فــي يــده حبالا
مـن قنـب يقطع الأوصـالا
وعلقوه فـي عـرى الجدار
كأنـه بـرادة فـي الــدار
وصفقوا قفاه صفـق الطبل
نصبا بعيــن شـامت وخل
وحمروا نقرته بيـن النقـر
كأنها قد خجلت ممــن نظر
إذا استغاث من سعير الشمس
أجابه مسـتخــرج برفس
وصـب سـجان عليه الزيتا
فصـار بعــد بــزة كميتا
حـتـى إذا طال عليه الجهد
ولم يكـن مـما أراد بــد
قال أذنوا لي أسال التجـارا
قرضا, وإلا بعتهـم عقـارا
وأجـلوني خمـسـة أياما
وطــوقوني منـكم أنعاما
فضـايقوا وجعلوهـا أربعة
ولم يؤمل في الكلام منفعـة
وجاءه المعينـون الفجـرة
وأقرضوه واحـدا بعشــرة
وكتبوا صكا ببيع الضيعـة
وحـلفــوه بيميـن البيعة
ثم تأدى ما عليه وخـرج
ولم يكن يطمع في قرب الفرج
وجاءه الأعــوان يسألونه
كأنهـم كـانـوا يــذللونه
وإن تلــكأ أخـذوا عمامته
وخمشوا أخدعـه وهـامته
في هذء الأرجوزة وصف صادق من شاهد عيان, ومن كابن المعتر, وهو ابن خليفة وخليفة وشاعر وجداني كبير, يستطيع أن يصف ما كان يعانيه المكلف بالخراج من تعذيب.
كان إذا عجز عن أداء خراج ضيعته سلط عليه عامل الخراج أعوانه فيأخذونه من تلابيبه ويجرونه إلى الحبس جرا ثم يقيدونه بالحبال المصنوعة من (القنب) ويعلقونه في عرى الجدار ثم يأخذون في صفعه أمام الناس وفيهم العدو الشامت به والصديق المتأسي له, فإذا استغاث من ألم الضرب وسعير الشمس رفسه الأعوان وصب عليه السجان الزيت فشوه هيئته, وإذا اشتد عليه العذاب طلب أن يمنحوه خمسة أيام ليجمع المبلغ المطلوب منه ببيع عقاره فلا يمنح إلا أربعة أيام, وحين يسمع المرابون بأمره, يستغلون محنته, وأقرضوه كل قرش بعشرة أمثاله, وكتبوا عليه صكا, وألزموه حلف الأيمان, واستكتبوه صكا ببيع ضيعته إذا تأخر في الوفاء فيضطر للإذعان, فإذا حصل على المال أتاه أعوان عامل الخراج ليستوفوا أجرهم, فإذا تلكأ أخذوا عمامته وخمشوا وجهه وهامته.
ثم يصف ابن المعتز في أرجوزته, ما كان يصنعه عمال الخراج في استيفاء الضريبة من التجار. كانوا إذا امتنع أحدهم عن دفع ما يفرضون عليه, ادعوا عليه أن السلطان أودعه وديعة وعليه أن يردها, فإذا أنكر ذلك صبوا عليه أسواط العذاب.
ومثل ذلك يفعلون مع من يرث ميراثا ضخما, فكانوا يعملون على الاستيلاء على ميراثه, أو يشركونه فيه, فإذا رفض سجنوه وأخذوا في تعذيبه حتى ينالوا ما يريدون وفي ذلك يقول ابن المعتز
وويل من مات أبوه موسرا
أليس هذا محكما مشـهرا
وطال في دار البلاء سجنه
وقال: من يدري بأنه ابنه
وأسرفوا في لكمه ودفعـه
وانطلقت أكفهم في صفعه
ولم يزل في أضيق الحبوس
حـتى رمى إليهم بالكيس
وتاجر ذي جـوهر ومـال
كان من الله بأحسـن حل
قيل له: عندك للسلطــان
ودائـع, غاليـة الأثمان
فقال: لا والله مـا عندي له
صغـيرة من ذا, ولا جليله
وإنما ربحـت في التجـارة
ولم أكن في المال ذا خساره
فدخـنوه بـدخان التبــن
وأوقـدوه بثـفال اللـبن
حتى إذا مـل الحياة وضجر
وقال: ليت المال جمعا في سقر
أعطاهم ما طلبوا فانطلقـا
يستعمل المشي ويمشي العنقا
وقد جمع عمال الخراج مما جنوه ثروات كبيرة, ملكوا بها الضياع وبنوا الدور والقصور وعقدوا فيها مجالس الطرب والسمر والشراب, وقصدهم الشعراء يتكسبون بمدحهم, وقد اشتهر منهم إبراهيم وأحمد ابني عبد الله بن المدبر.
فكان الأول عامل الخراج في البصرة والأهواز أيام الخليفة المعتضد وكان الثاني عامل الخراج في مصر والشام أيام الأمير أحمد بن طولون وقد مدحهما البحتري ونال منهما خيرا وفيرا .
وقد يتولى الوزير مع وزارته ضمان الخراج, فيجبي بسلطانه مالا كثيرا, يؤدي بعضه إلى بيت المال ويوفر لنفسه ما تبقى.
من ذلك أن حامدا بن عباس وزير الخليفة المقتدر, ضمن خراج سواد بغداد والكوفة والأهواز بمبلغ دفعه إلى بيت المال, وجبى بسلطانه أضعاف ما أداه, واحتكر الغلال حتى ضج الناس من ارتفاع أسعارها, فعزله الخليفة وصادر منه ألف ألف (مليون) دينار, ثم نفاه إلى واسط وتولى علي بن أحمد الراسبي ضمان الخراج من حدود واسط إلى شهرزور بمليون وأربعمائة ألف دينار في السنة وذلك في عهد الخليفة المقتدر, ولما مات خلف أموالا كثيرة استولى الخليفة منها على مليون دينار .
ألاسيف
08-27-2003, 02:38 PM
سادسا - مصادرة الأموال
لم تقتصر المصادرة على أموال من يخلع من الخلفاء أو يعزل من الوزراء والعمال, بل شملت أموال الناس وخاصة التجار منهم, فكان الخليفة العباسي أو السلطان البويهي, إذا أعوزه المال أمر بمصادرة التجار.
من ذلك أن الموفق بالله, وكان صاحب السلطة في خلافة أخيه المعتمد على الله أمر الوزير صاعد بن مخلد أن يلزم التجار بتوفير المال لتزويد جيش يرسله لمحاربة عمرو بن الليث الصفار فلما لم يجد منه العزم على تنفيذ ما أمر به, أمر بمصادرة أمواله وأموال أخيه عبدون بن مخلد, وقد بلغ قيمة ما صادره من أموالهما ألف ألف (مليون) دينار, وأمر بحبس صاعد .
وقد تكون المصادرة انتقاما من تاجر ثري, كما جرى لعبد الله بن الجصاص فقد أمر الخليفة المقتدر بمصادرته, لأنه آوى عبد الله بن المعتز بعد خلعه من الخلافة, وبلغ ما صودر منه ستة ملايين دينار سوى ما حمل من داره .
ألاسيف
08-27-2003, 02:39 PM
سابعا - فساد القضاء
القضاء هو الأداة التي تضمن سلامة المجتمع وأمنه بإشاعة العدل والمساواة بين أفراده. ويشترط في القاضي أن يكون عالما بأحكام الشرع, مراعيا مقاصده ومجتهدا فيه, وأن يكون عفيفا, غير طامع في مال ولا مغتر بجاه ولا مطيع لسلطان في غير ما أمر الله.
وكان القاضي يرتزق من بيت المال في حدود حاجته وقد يتورع فيقضي بغير أجر. ومن الفقهاء من كان يعتبر القضاء محنة وابتلاء فيأبى توليه مخافة أن يصدر في قضائه عن جور أو يلحق ظلما بأحد, فيبوء بخسران يقاضيه الله عليه. ففي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: قاض في الجنة وقاضيان في النار فهو يخشى أن يكون أحد القاضيين.
وهذا أبو حنيفة يريده الخليفة المنصور العباسي على القضاء فيمتنع, فيأمر المنصور بضربه بالسياط, ثم يأمر بحبسه, وفي قول إنه مات في الحبس . وهذا سفيان الثوري يكتب إليه الخليفة المهدي بولاية قضاء الكوفة على أن لا يتعرض أحد لحكم من أحكامه, فيأخذ العهد ويرميه في دجلة ثم يتوارى . ومثله إسماعيل بن إبراهيم الأسدي المعروف بابن علية وعبد الله بن وهب وكثيرون غيرهم ممن تحرج من تولي القضاء فامتنع عن قبوله.
هكذا كان شأن القضاء فيما مضى حتى العصر العباسي الثاني, فقد تأثر بفساد العصر وأصبح وسيلة للارتزاق, وارتقى إليه من ليس من أهله. ففي عهد الخليفة المقتدر, ولى وزيره أبو الحسن بن الفرات القضاء تاجرا كان أسدى إليه معروفا .
ومضت فترة جرى فيها تضمين القضاء. ففي عام 350هـ ضمن السلطان معز الدولة البويهي قضاء بغداد لأبي عبد الله بن أبي الشوارب ومعه قضاء القضاة, لقاء مائتي ألف درهم يدفعها كل سنة إلى خزانة السلطان .
وكان تضمين القضاء وسيلة للرشوة, ويبدو أنها كانت مألوفة عند بعض أبناء أبي الشوارب, وأكثرهم ممن تولى القضاء فقد روى ابن كثير أن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي الشوارب, قاضي بغداد كان ينسب إلى أخذ الرشوة في الأحكام والولايات . على أن هذه الأسرة قد تولى أكثر أبنائها القضاء, وكانوا على جانب كبير من العلم والورع, غير أن الفساد سرى إلى بعضهم, وكان فساد القضاء كما يقول صاحب المنتظم, أول ما انحل من سياسة الملك .
وقد أورد محمد بن سعد الزهري المتوفي عام 230هـ مقارنة بين قضاة صدر الإسلام وقضاة زمانه فقال: كان الرجلان يتقاولان بالمدينة في أول الزمان فيقول أحدنا للآخر: لأنت أفلس من القاضي, فصار قضاة اليوم ولاة وجبابرة وملوكا وأصحاب غلات وضياع وتجارات وأموال .
ألاسيف
08-27-2003, 02:40 PM
ثامنا - الفتن
أ - الفتن المذهبية ثارت بين الشيعة وبين أهل السنة, وخاصة الحنابلة منهم, فتن كان مسرحها بغداد . وقد بدأت في أوائل القرن الرابع الهجري وامتدت إلى أواخر القرن الخامس الهجري, وكانت تتوالى الفتن عاما بعد عام, وكثيرا ما كانت تشتد, فينشب فيها قتال مرير يرافقه حرائق وتدمير.
وكان من أسباب هذه الفتن احتفال الشيعة بيوم الغدير , والاختلاف في تفسير بعض آيات القرآن الكريم التي تتعلق بصفات الله تعالى, فكان الشيعة يفسرونها على التأويل على عكس الحنابلة.
ففي سنة 317هـ قامت فتنة كبرى بينهم بسبب تفسير آية: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا فالحنابلة يفسرونها على أن الله تعالى يجلس محمدا معه على العرش, لأنهم يأخذون بظاهر الآية, ويفسرها الشيعة بالتأويل, وعندهم أن المقصود منها هو الشفاعة.
وقد شد آل بوية أزر الشيعة لتشيعهم, وشد الأتراك أزر أهل السنة لأخذهم بمذهبهم, وكان القُصاص من الجانبين يثيرون شعور الطرفين بالعداء ويحرشون فيما بينهم .
كذلك كانت تثور الفتن بين الحنابلة والأشاعرة, وبين الحنفية والشافعية, فكان أهل كل مذهب يتعصبون لمذهبهم, ويدفعهم التعصب إلى أن يقتتلوا. ففي عام 469هـ قدم أبو نصر القشيري إلى بغداد فوعظ بالمدرسة النظامية ونصر الأشاعرة وحط على الحنابلة, فهاج عوام أهل السنة وأحداثهم وقصدوا المدرسة النظامية, وحميت الفتنة وقتل جماعة منهم. وثارت الفتنة في عام 476هـ بين الفريقين وتلتها فتن أخرى امتدت إلى آخر القرن السادس الهجري .
كذلك ثارت الفتن بين الحنفية والشافعية, وكلاهما من أهل السنة, ففي عام 468هـ نشبت فتنة كبرى بينهم بسبب تحول إمام من أئمة الحنفية إلى المذهب الشافعي. فقد روى السبكي أن الإمام أبو المظفر منصور بن أحمد بن عبد الجبار المعروف بابن السمعاني الخراساني. تحول من المذهب الحنفي الذي ناظر فيه ثلاثين سنة, إلى المذهب الشافعي, فقامت الحرب بين جماعة المذهبين, واضطرمت الفتنة بينهم, حتى كادت أن تملأ ما بين خراسان والعراق .
وقد أقدم الإمام ابن السمعاني على التحول من مذهبه إلى المذهب الشافعي للتقرب من نظام الملك وزير السلطان السلجوقي ألب أرسلان وكان هذا الوزير متعصبا للمذهب الشافعي, وهو مذهب الدولة السلجوقية, وقد أنشأ في بغداد وأصفهان وفي مدن أخرى مدارس عرفت بالمدارس النظامية لتدريس المذهب الشافعي.
ويصف لنا ياقوت في معجمه آثار الخراب الذي أصاب بعض المدن في أعقاب الفتن التي كانت تنشب بين أصحاب المذهبين, فحين يذكر مدينة أصفهان يقول: "وقد فشا الخراب في نواحيها لكثرة الفتن والتعصب بين الحنفية والشافعية, والحروب المتصلة بين الحزبين, فكلما ظهرت طائفة نهبت الأخرى...", وجرى مثل ذلك في مدن أخرى كالري وساوة .
وروى الإمام السبكي أن مسعود بن علي وزير خوارزم شاه, أمير خوارزم كان متعصبا للشافعية, وقد بنى في مدينة (مرو) جامعا, فتعصب عليه أهل المدينة وهم أحناف, وأحرقوا الجامع, وقامت فتنة هائلة, كادت الجماجم فيها تطير عن الغلاصم .
ب - فتن الجند كان الجيش في أغلبه يتألف من الأتراك والديلم, وكثيرا ما شغبوا على الخليفة لتأخر أعطياتهم, وكثيرا ما أدى شغبهم إلى خلع الخليفة طمعا برسم البيعة ممن يخلفه. وقد يرتد شغبهم على الناس, فتندلع فتنة يكثر ضحاياها.
ففي عام 421هـ برم الناس من اعتداء الجند الأتراك, وعجزت الدولة عن ردعهم لضعفها وهوانها, فاجتمع الهاشميون والعلوين ومعهم الفقهاء, فاستنفروا الناس لصد الأتراك. فعمد الأتراك إلى رفع الصليب على رمح, يتحدون بذلك الدولة, وترامى الفريقان بالنشاب والآجر, وقتل طائفة من الناس .
وفي عام 429هـ تظلم الناس من اعتداء الديلم واقتحامهم الدور وتعرضهم للنساء, فلم يستمع السلطان البويهي لتظلمهم, فالتحموا مع الديلم في قتال مرير, واهتبل العيارون انشغال الناس في القتال, فداهموا البيوت والمخازن, واقتحم اللصوص بغداد فأخذوا ما وجدوا من الخيول .
ج - فتن العيارين والشطار كان للعيارين والشطار نصيب كبير في الفتن, فقد تألف منهم فرق منظمة, كانت تخضع لزعيم يدعى (مقدم العيارين) وهو الذي يزودها بالسلاح ويتولى تدريبها وتوجيهها, وأشهرهم: عزيز البابصري (نسبة إلى باب البصرة), والبرجمي والطقطقي وابن الحراصة وابن حمدي وابن فولاذ.
وكان ينتظم في هذه الفرق أوزاع من الناس وأخلاط من الفقراء, فيهم السني والشيعي, وفيهم الهاشمي والعلوي وفيهم الأعرابي والكردي والعجمي. كانت فرقهم تنتهز انشغال الناس في الفتن التي تثار, فيغيرون على منازل الأغنياء, وكثيرا ما تغلبوا على الشرطة وهزموها. وقد بلغ من قوتهم أن فرضوا الخطبة لزعيمهم في صلاة الجمعة.
ففي عام 424هـ اجتمع في الرصافة ببغداد فريق منهم وألزموا الخطيب أن يخطب للبرجمي مع خطبته للخليفة والسلطان. وكانوا يفرضون الإتاوات على أصحاب الأعمال, وربما تولوا حفظ الأمن, وتلقب زعماؤهم بلقب القواد. وكانت أفعالهم فيها ظاهرة الثورة على فساد الحكم. وقد التزم البرجمي ومن بعده الطقطقي بمعاني الثورة وأغراضها في مقاومة حكم تسوده الفوضى ويطغى عليه نهب الأموال, واختل فيه ميزان العدل وسرت فيه الرشاوي. وكان سلوكهم مطبوعا بالمروءة, فلم يكن يسمح لأحد من أعوانهم الاعتداء على امرأة أو أخذ شيء منها, ولا التعرض لأوساط الناس .
على أن جماعات اتخذوا اسم العيارين كانوا أقرب إلى اللصوص والسراق, وفيهم فجار وقوادون, منهم ابن حمدي وابن الحراصة, فكانوا يمارسون عدوانهم على الناس فلا ينكرها عليهم أحد لأن قائدا من قواد الديلم يدعى أبا جعفر بن شيرزاد ضمن لهم ما كانوا يمارسونه بمبلغ خمسة وعشرين ألفا دينار يدفعونها إليه في كل شهر .
ألاسيف
08-27-2003, 02:46 PM
تاسعا - الثورات
نشبت من الثورات في العصر العباسي الثاني بين عامي 255 و 366هـ ما يزيد على خمسين ثورة, منها ما كان ثورة على الحكم, ومنها ما كان انتقاضا على الحاكمين, من خليفة وسلطان.
وكان أهم الثورات خطرا في أسبابها ونتائجها ثورتان هما: ثورة عرفت باسم ثورة الزنج وثورة القرامطة.
أ - ثورة الزنج سبق للزنج أن ثاروا سنة 71هـ ثم ثاروا سنة 76هـ لما كان ينالهم من ظلم ملاك الأراضي الذين جلبوهم من شرق إفريقيا لاستصلاح أراضيهم التي كان يغمرها شط العرب بدفع مد مياه الخليج العربي ويترك في سطحها طبقة من الأملاح. وقد قمع الحجاج, أمير العراق, الثورتين.
ثم قامت لهم ثورة عارمة في عهد الخليفة المعتز بالله. قادها رجل فارسي دعا نفسه محمد بن علي وزعم أنه علوي النسب وتروي الروايات, أنه قدم من الأهواز سنة 255هـ ونزل في منطقة تقع في جنوب العراق تعرف بالبطائح أو السباخ كان يقوم باستصلاحها الزنوج الإفريقيون, وكانوا يلاقون ظلما مريرا من أصحاب الأراضي التي كانوا يقومون باستصلاحها. فاندس فيهم ذلك الرجل وادعى أنه من آل البيت, ودعاهم لاتباعه ليحررهم من الرق, وينجيهم من عذاب أسيادهم, وأخذ يظهر لهم, بما أوتي من ذكاء وسعة حيلة, أعمالا فيها كثير من الشعوذة وينبئهم بأخبار يزعم أنها من الغيب.
وقد أقام دعوته على دعوة الخوارج وهي المساواة بين المسلمين . وقد استجاب له الأعراب الذين كانوا يسكنون في بوادي البصرة وأكثرهم ممن كان المعتصم أخرجهم من ديوان الجيش وأبدلهم بجند من الأتراك, وقد اضطرهم شظف العيش إلى شن الغارات على القرى واعتراض قوافل الحجاج, ينهبون ويسلبون, كذلك انضم إليه جموع من الفقراء والمستضعفين, وقد أغراهم بما يطمع فيه الفقراء, الذين ضمر في قلوبهم الشعور بالإيمان وتراخت عقيدتهم, فأباح لهم شيوعية الأموال والنساء, وهي عقيدة مزدك الفارسي, فاجتمعوا عليه مخلصين له مؤمنين بدعوته.
وقد عرف القائم بتلك الدعوة, الناظم لتلك الجموع الغفيرة بصاحب الزنج, لأن العدد الغالب من أتباعه كان منهم, ولأنهم أول من استجاب لدعوته, فاستولى على البحرين والأحساء, ثم توجه صعدا إلى البصرة . وفي شوال سنة 257هـ أغار على تلك المدينة وهي غافلة, فداهمها بجموعه وأمعن أتباعه فيها نهبا وسلبا وقتلا وتحريقا, فلم يسلم من أهلها إلا من هرب وهام على وجهه يلتمس النجاة.
وأوى من ظل في المدينة إلى المسجد الجامع ظنا منهم أنهم يأمنون فيه على أرواحهم, لكن الثائرين ما لبثوا أن داهموا المسجد وقتلوا من أوى إليه, ثم اقتحموا البيوت وقتلوا الأطفال وسبوا النساء, وفيهم كثير من شرائف العلويات, فتقاسمهم الآسرون, ومن دخلت في سهمه استخدمها وفجر بها وباعها, حتى بلغت قيمة العلوية ثلاثة دراهم .
ثم أحرقوا البصرة فأضحت معالمها أطلالا. وقد نظم ابن الرومي في مأساتها قصيدة وصف فيها ما حل بها وبأهلها من قتل ودمار وصفا مؤثرا, تدمع له العين وينفطر له القلب . وبعد خراب البصرة توجه صاحب الزنج بأتباعه إلى الأهواز وهزم الحملات التي كان يرسلها الخليفة المعتمد على الله لقتاله.
وبعد ذلك قصد (واسط) وهم بالتوجه إلى بغداد لولا أن الخليفة جمع له جيشا كثيفا قاده أخوه الموفق بالله, فتغلب على صاحب الزنج بعد قتال مرير وتمكن من قتله والقضاء على الفتنة التي أثارها والتي دامت خمس عشرة سنة (255 - 270هـ).
ب - ثورة القرامطة لم تكد تنتهي ثورة الزنج حتى نشبت ثورة أخرى كانت امتدادا لها ومنادية بشعارها وهو مقاومة الظلم والاستبداد ومعلنة مبدأ المساواة بين الناس. وقد عرفت بثورة القرامطة, وتنسب هذه التسمية إلى رجل فارسي عرف بلقب (قرمط), وهو لقب يطلق على القصير, المتقارب الخطا.
أما اسمه فقد اختلف الرواة والمؤرخون فيه, فمنهم من دعاه حمدان الأشعث ومنهم من دعاه الفرج بن عثمان, ولكنهم متفقون على أنه قدم من الأهواز, وظهر في سواد الكوفة سنة 258هـ في موضع يقال له (النهرين) وكانت حرب الزنج ما تزال قائمة على أشدها. وقد غلب على الرجل لقبه فكان يعرف بقرمط وعرف أتباعه بالقرامطة, وقد كان أحد دعاة الإمام الإسماعيلي (المنتظر) الذين بثهم في الأقطار عبد الله بن ميمون القداح, منظم الدعوة الإسماعيلية.
فلما تم القضاء على ثورة الزنج سنة 270هـ اجتمع حوله فلولها وبدأ بما بدأ به صاحب الزنج من إظهار الزهد والتقشف والورع, فجذب إليه قلوب الناس, وكان يخفي وراء هذا السلوك هدفا سياسيا, كان لا بد من دعمه بظاهرة التدين. وقد دعا إلى مذهب فيه مزيج من المزدكية الفارسية واليهودية والنصرانية والإسلام, وحط من شعائر الإسلام فجعل الصلاة أربع ركعات, ركعتان قبل طلوع الشمس وركعتان بعد غروبها, وجعل القبلة والحج إلى بيت المقدس وجعل الصوم يومين في السنة, وهما يوم المهرجان ويوم النيروز وعدل في الأذان, وفرض جزية على من خالفه وأباح قتله إن أمكن ذلك, وأخذ يفسر آيات القرآن بتأويل, بدعوى أن لآياته وأحكامه تأويلا باطنيا يفسر به ظاهرها, ومن ثم عرف مذهبهم بالباطنية.
وادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الرسالة ومن النبوة وسلم الأمر إلى علي بن أبي طالب حين خطب في الناس يوم الغدير فقال: من كنت وليه فعلي وليه, اللهم انصر من نصره وعاد من عاداه فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك تابعا ومحجوبا بعلي. وأن الإمامة المطبوعة بطابع النبوة آلت من بعد علي إلى الحسن والحسين ثم إلى علي زين العابدين ثم إلى محمد الباقر ثم إلى جعفر الصادق ثم إلى إسماعيل ثم إلى محمد بن إسماعيل وهو الإمام السابع.
وقد كثر أتباع قرمط وكثر دعاته فكان منهم زكرويه وولده يحيى والحسين, وأبو سعيد الجنابي وأبو طاهر القرمطي , وقد أقام هؤلاء دولة لهم في القطيف والبحرين واليمن وقادوا حروبا في العراق أرادوا بها انتزاع الخلافة, ونازعوا الفاطميين زعامة الدعوة, فهاجموا قواعدهم في الشام وهموا بمهاجة القاهرة وقد تمكن الفاطميون من صدهم.
وفي سنة 317هـ أغاروا على مكة فقلعوا الحجر الأسود وقتلوا الحجاج, وحملوا الحجر الأسود إلى القطيف عاصمة ملكهم وأعادوه سنة 239هـ لقاء السماح لهم بفرض ضريبة على الحجاج.
ومن تتبع الأسباب التي انطلقت منها ثورة الزنج, ثم ثورة القرامطة والتأمل بنتائجها نجد أنها ترجع إلى سببين مفترقين ومتوازيين.
فالأول منهما هو استغلال الضجر والضيق من استبداد الولاة ومن إرهاق عمال الخراج, يضاف إلى بؤس الفقراء الذين يعانون ألم الجوع والعطالة والحرمان. وكان هؤلاء مع كل دعوة للتحرر من الظلم الذي يحل بهم والضيق الذي يكابدونه.
وقد اختار دعاة الثورة جنوب العراق والمناطق المجاورة له لبعدها عن بغداد وعجز الدولة عن تتبع الثائرين.
والسبب الثاني هو استغلال دعاة الثورة جهل العامة وسلخهم من العقيدة الإسلامية من دعاة يحملون حطام دياناتهم السابقة التي ما زالوا متأثرين بها.
ألاسيف
08-27-2003, 02:54 PM
عاشرا - اقتسام الدول العباسية بين المتغلبين
كانت الدولة في أيام بني أمية وحدة شاملة من شرقها الممتد من بلاد ما بين النهرين وحدود الصين والهند إلى مغربها في المغرب الأقصى والأندلس. وكان يحكم أقاليمها ولاة يوليهم خليفة دمشق وإليه يرجعون في أمورهم الهامة, ينفذون سياسته ويحكمون بسلطانه. ولما انتقلت الخلافة إلى بني العباس استقلت بعض الأقاليم بتفويض منهم واستقل البعض الآخر بالغلبة عليهم.
ففي عهد أبي جعفر المنصور استولى عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك سنة 138هـ على الأندلس واستقل بها وأنهى الحكم العباسي وأعاد الحكم إلى بني أمية.
وفي عهد المنصور أيضا أنشأ إدريس بن محمد (النفس الزكية), وهو من أحفاد الحسن بن علي بن أبي طالب دولة الأدارسة في المغرب الأقصى سنة 172هـ.
وفي عام 184هـ أنشأ إبراهيم بن الأغلب بتفويض من الخليفة هارون الرشيد دولة الأغالبة في المغرب الأدنى (تونس).
وفي عام 205هـ أنشأ طاهر بن الحسين بتفويض من المأمون دولة بني طاهر في خراسان مكافأة له لنصرته على الأمين.
فهذه الأقاليم الأربعة انفصلت عن الدولة العباسية, واستقلت عنها, وتداولت الحكم بطريق الإرث. غير أن انفصال بعضها كان يختلف عن انفصال البعض الآخر. ففي دولة بني أمية في الأندلس وفي دولة الأدارسة في المغرب الأقصى, انقطعت الصلة بدولة الخلافة العباسية. أما في دولة بني طاهر ودولة الأغالبة, فلم تنقطع الصلة بها, بل ظلت على ولائها وتبعيتها.
وفي العصر العباسي الثاني انفصلت عن دولة الخلافة الأقاليم الآتية:
ففي سنة 254هـ انفصلت مصر والشام وقامت فيهما دولة أحمد بن طولون وخلفتها دولة الإخشيد
وفي سنة 254هـ قامت دولة بني الصفار في سجستان بزعامة الليث بن الصفار واستولت على خراسان وقضت على دولة بني طاهر.
وفي سنة 261هـ قامت دولة بني سامان في خراسان بزعامة نصر بن أحمد ابن أسد بن سامان وقضت على الدولة الصفارية.
وفي سنة 297هـ قامت في إفريقية دولة العبيديين بزعامة أبي عبيد الله المهدي وقضت على دولة الأغالبة, ثم على دولة بني الأخشيد وامتد حكمها إلى مصر والشام والحجاز.
وفي سنة 320هـ قامت دولة بني بوية في فارس وأصبهان وهمذان والري بزعامة أبناء بوية وهم: الحسن وعلي وأحمد وأبناؤهم من بعدهم. وقامت في الموصل والجزيرة وحلب دولة بني حمدان بزعامة أبناء حمدان بن حمدون التغلبي.
وفي سنة 321هـ قامت دولة الغزنويين فيما وراء النهر بزعامة سبكتكين, أمير غزنة ومن بعده ابنه محمود المعروف باسم محمود الغزنوي فقضى على دولة بني سامان وامتدت دولته إلى الهند.
وفي عام 328هـ لم يبق في يد الخليفة سوى بغداد وسواد العراق, وقد جرد منهما حين استولى معز الدولة البويهي على بغداد سنة 334هـ فلم يبق من الخلافة غير لقبها.
وفي عام 421هـ قامت دولة الترك (الغز) السلاجقة, القادمين من بلاد تركتسان, فأزالت دولة الغزنويين والبويهيين والدويلات الأخرى, بزعامة طغرلبك السلجوقي, وكانت تلك الدويلات قد أضعفتها الحروب التي نشبت بينها, ولم يتكلف السلاجقة كبير عناء في القضاء عليها.
ولما مات طغرلبك خلفه ابن أخيه ألب أرسلان فقامت في عهده وحدة الدولة الإسلامية الممتدة من بلاد ما بين النهرين إلى بلاد الشام غير أن الخلاف ما لبث أن ثار بينه وبين ابن عمه (قتلمش), ونشبت بينهما الحرب سنة 456هـ, وفيها قتل (قتلمش) وأدى قتله إلى انقسام الدولة السلجوقية, فاستقل سليمان بن قتلمش بالأناضول وأقام سنة 470هـ دولة عرفت بدولة سلاجقة الروم (يقصد بها بلاد الروم) وقد اتخذ سليمان (نيقية) ثم (قونية) عاصمة له.
ولما توفي ألب أرسلان انتقلت السلطة إلى ابنه ملشكاه, فأقطع عمه (تتش) بلاد الشام فتوجه إليها وأنهى حكم الفاطميين فيها. ثم أعلن الحرب على ابن عمه سليمان بن قتلمش, ملك سلاجقة الروم, وكان قد استولى على حلب فأراد ملشكاه إخراجه منها وفي المعركة التي جرت بينهما قرب حلب في موضع يقال له (تل السلطان) قتل سليمان وخلف ولدا صغيرا اسمه (داود), فتولى ملكشاه تربيته, ولما شب ولاه مكان أبيه (قتلمش), أميرا على دولة الروم وعرف باسم (قليج أرسلان).
وقد أحدث قتل سليمان, كما أحدث من قبل قتل أبيه قتلمش, انشقاقا بين السلاجقة وأثار بينهم أحقادا, فواجهوا الغزو الصليبي متفرقين, ولو أنهم واجهوه متحدين, لتحولت مسيرة الأحداث وجهة أخرى ولسلمت بلاد الإسلام من غزو ما زالت تتجرع مرارته.
ألاسيف
08-27-2003, 02:57 PM
يعود انهيار الخلافة الإسلامية إلى عدة أسباب أهمها:
أولا - نظام الخلافة
يقوم نظام الخلافة في الإسلام على قاعدة (الشورى), وقد تقرر هذا المبدأ في القرآن الكريم بقوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وتأيد هذا المبدأ بقوله تعالى لنبيه: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ وقد طبقه النبي صلى الله عليه وسلم فكان يشاور أصحابه في الأمور التي ليس فيها حكم من أحكام الله, وبذلك أصبحت (الشورى) مدار الحكم في الإسلام.
وتقوم قاعدة الشورى على مبدأ المساواة بين المسلمين باعتبارهم أخوة في الدين, فمن توفرت فيه الصفات المؤهلة للخلافة فهو صاحب الحق فيها, دون النظر إلى جنسه أو لونه أو ثروته أو مكانته الاجتماعية. فالإسلام سوى بين المسلمين, لا يتفاوتون إلا بتقوى الله تعالى, نزولا عند قوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وتقوى الله هي الالتزام بما أمر به وما نهى عنه, وفيها جماع الفضائل التي يجب أن يتحلى بها كل حاكم وهي ميزان التفاضل بين الناس.
ويتم اختيار الخليفة من مجموعة تضم من اجتمع فيه العلم والحزم والتقوى, واتصف بالحكمة والعدالة, وقد عرف هؤلاء بأهل الحل والعقد, فمن وقع اختيارهم عليه بايعوه وبايعه الناس, ويعتبر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أن يسير بسيرته ويستن بسنته ويتبع نهجه, فإذا حاد حق خلعه, فإن استعصى وجب قتاله.
ولما انتقلت الخلافة إلى بني أمية بزعامة معاوية بن أبي سفيان تحقق لهم ما كانوا يطمحون إليه وما كانوا يطمعون فيه, فبدلوا نظام الشورى بنظام الإرث. وقد عهد معاوية بالخلافة من بعده لابنه يزيد وانتزع البيعة له بالمال لمن يخضع للمال, وبالقوة لمن يخضع بالقوة, وانتقلت الخلافة من بعده إلى بني مروان ابن الحكم, بعد أن تنازل عنها معاوية الثاني ابن يزيد بن معاوية واتسع بعد ذلك نطاق الخلفية, فأصبح الخليفة يعهد إلى ابنين أو أكثر من أبنائه يتوارثونها واحدا بعد آخر بالترتيب الذي يقرره, كما فعل عبد الملك بن مروان بن الحكم فقد عهد بالخلافة من بعده إلى أبنائه: الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام. وقد توسط عمر بن عبد العزيز بين سليمان ويزيد بعهد من سليمان.
واستقر نظام الخلافة في الدولة الإسلامية بعد ذلك على نظام الإرث وأصبحت البيعة رسما شكليا يقبل عليها الناس, يتقدمهم الأمراء والكبراء والعلماء, وتؤخذ عليهم الأيمان المغلظة مع الحلف بالطلاق والعتاق لكي لا يتحللون منها . وفي العصر العباسي الثاني لم يعد أحد يبالي بالبيعة بعد أن أصبح مصير الخلافة بيد المتغلبين. وقد ترتب على وراثة الخلافة أمران: الصراع من أجل الخلافة وظاهرة الاستبداد والظلم.
1 - الصراع من أجل الخلافة
في البداية ظهر هذا الصراع بين أسرتين: الأسرة الهاشمية والأسرة الأموية. وبعد زوال الدولة الأموية سنة 131 - 132هـ ثار الصراع بين فرعين من الأسرة الهاشمية الأسرة العلوية الطالبية وزعيمها علي بن أبي طالب والأسرة العباسية وزعيمها العباس بن عبد المطلب يجمعهما جد مشترك هو هاشم بن عبد مناف. وقد كانت هذه الأسر الثلاث تقيم حقها في الخلافة, لا على نظام الشورى, بل على نظام الإرث من السلف إلى الخلف, ولكل منها حجته.
فالأسرة الهاشمية كانت تقيم حقها في الخلافة على قربها من الرسول صلى الله عليه وسلم , وكانت تقدم عليا بن أبي طالب في هذا الحق. والأسرة الأموية كانت تقيم حقها في الخلافة على المطالبة بدم عثمان الأموي واتهام علي بن أبي طالب بالتراخي في حمايته والامتناع عن قتل قاتليه. ولما انتزع الأمويون الخلافة, لم يستسلم الهاشميون لهم ولم يذعنوا, واتخذوا أسلوب الدعوة السرية في الدعوة لأنفسهم وشاركهم في هذه الدعوة العباسيون, واتخذوا شعارا موحدا هو الدعوة (للرضى من آل محمد), أي لمن يرضى عنه المسلمون من آل محمد وانضم إلى دعوتهم الساخطون على الحكم الأموي ومعهم الموالي من الفرس.
ومن خلال الدعوة السرية تجهزت الحملات العسكرية واندفعت لتلاقي محمد بن مروان آخر خلفاء بني أمية في معركة (الزاب), وفيها خسر محمد بن مروان الحرب وانهارت به الدولة الأموية التي دامت 92 عاما.
وبدأ بعد ذلك صراع جديد بين الأسرتين العلوية والعباسية. فقد تمكن العباسيون من انتزاع النصر فبايعوا عبد الله أبا العباس بن محمد بن علي بن عبد الله ابن العباس بالخلافة. وتحول التحالف إلى صراع بين العلويين والعباسيين, وقام معه صراع بين العباسيين أنفسهم. فقد عهد الخليفة أبو العباس الذي تلقب بلقب (السفاح) بالخلافة من بعده إلى أخيه أبي جعفر (المنصور) ومن بعده إلى ابن أخيه عيسى بن موسى, ولكن أبا جعفر أجبره على التنازل عن ولاية العهد إلى ابنه محمد (المهدي).
وولى المهدي العهد من بعده إلى ابنه موسى (الهادي) ومن بعده إلى ابنه الثاني هارون (الرشيد). فأراد موسى الهادي أن يخلع أخاه هارونا ويعهد لابنه جعفر القاصر فمانعته أمه الخيزران وكانت تكرهه, وكان موقفها منه من أسباب موته. ولما تولى هارون الرشيد الخلافة ولى عهده ثلاثة من بنيه هم: محمد (الأمين) وعبد الله (المأمون) والقاسم (المؤتمن) على أن يلوا الخلافة بهذا الترتيب, ولما تولى الأمين الخلافة عزل أخاه المأمون من ولاية العهد وعهد بالخلافة من بعده إلى ابنه القاصر موسى, وكان هذا التصرف من أسباب الصراع بينهما وانتهائه بقتل الأمين.
وولى المأمون عهده من بعده إلى أخيه محمد (المعتصم) متجاوزا ابنه (العباس), ولم يطب للعباس ما فعله أبوه فأتمر بقتل عمه مع بعض القادة, ولما تولى جعفر (المتوكل على الله) الخلافة عهد بالخلاقة من بعده إلى ابنه محمد (المنتصر) ثم أراد تقديم أخاه محمد (المعتز) عليه في ولاية العهد, فأتمر المنتصر على قتل أبيه مع قادة من الأتراك ونفذ القتل وتربع المنتصر عرش الخلافة ولم يلبث بها سوى ستة أشهر ثم مات, وقيل مات مسموما.
واستمر الصراع من أجل الخلافة في العصر العباسي الثاني يثيره المتغلبون, كما أوضحنا ذلك من قبل. وقد جرى مثل هذا الصراع في دولة الأندلس, فقد تآمر على قتل عبد الرحمن الداخل ابن أخيه المغيرة, ومعه نفر من أبناء عمومته, فقبض عليهم عبد الرحمن سنة 166هـ وقتلهم. وخلفه في الحكم ابنه هشام (الأول) فثار عليه أخواه سليمان وعبد الله, وامتدت ثورتهما إلى عهد ابن أخيهما الحكم (الأول) ابن هشام وتمكن من القضاء على ثورتهما بقتل الأول واستئمان الثاني والعفو عنه, ولما تولى الإمارة عبد الله (الأول) ابن محمد سنة 275هـ أقدم ابنه المطرف على قتل أخيه محمد, حين علم أن أباه سيعهد إليه بالإمارة من بعده, ثم توالى الصراع من أجل الخلافة, فقتل المستعين ابن عمه محمدا المهدي, ثم قتل المستعين وقتل من بعده المستظهر, وانتقل الصراع إلى الطرائف, فكان بين الأبناء والإخوة والأعمام حروب, استعان فيها كل جانب بملك من ملوك الفرنجة أو بزعيم للمرتزقة وكان أشهرهم (الكمبيادور). ويصبح الملك الإسباني هو الآمر بعد القيام بمهمته, يفرض الإتاوة على من استنصر به, فإذا عجز أو تأخر احتل إمارته وطرده منها.
ولم يظهر الصراع في الدولة الفاطمية إلا في آخر عهودها, حين انتزع المستعلي الخلافة من أخيه نزار وكان أبوه المستنصر قد عهد بها إليه, ثم قتله, وكان قتله من أسباب انقسام الدولة الفاطمية ومعها المذهب الإسماعيلي إلى (مستعلية) و (نزارية), كما أوضحنا ذلك من قبل.
وقد وقف الفقهاء من نظام الإرث في الخلافة موقف المسلم بالأمر الواقع, فأجازوا للخليفة أن يعهد بالخلافة إلى ابنه أو إلى ابن أخيه, ثم أجازوا أن يعهد بالخلافة لعدد من أبنائه يتوارثونها على الترتيب الذي يقرره, كذلك أجازوا خلافة من ينال الخلافة بالغصب, حتى لو كان فاجرا, لكيلا يبيت المسلمون بلا خليفة . وبذلك يدخل في باب الإجازة جميع الخلفاء والملوك والأمراء الذين شملتهم قاعدة الإرث, البر منهم والفاجر.
ألاسيف
08-27-2003, 02:59 PM
2 - ظاهرة الاستبداد والظلم
لما انتقل نظام الخلافة من قاعدة الشورى إلى نظام الإرث, وأصبحت البيعة رسما شكليا, تؤخذ بالرغبة أو الرهبة, ادعى الخلفاء أن سلطانهم مستمد من الله, وأنه حق إلهي ممنوح لهم يحكمون الناس بهذا الحق وأن طاعتهم مفروضة على الشعب, لأنها من طاعة الله. وقد أمر الله بطاعتهم في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فمن عصاهم عصى الله, ومن أطاعهم أطاع الله, فهم خلفاؤه.
وقد أضحى اسم الخليفة منذ خلافة عبد الملك بن مروان (خليفة الله) وأن ما يفعله الخليفة وما يأمر به, إنما هو من أمر الله وقدره, فلا يسأل. ومن أجل ذلك حاربوا من يقول بأن الإنسان يخلق أفعاله بقدرته وأنه يسأل عنها, لأنهم إنما يفعلون ما يصدر عنهم بأمر الله, فلا يسألون عما يفعلون.
وقد اتبع خلفاء بني العباس هذا النهج في تبرير سلطانهم, وقد عبر عنه أبو جعفر المنصور في خطبة بيعته بقوله: "إنما أنا سلطان الله في أرضه, أسوسكم بتوفيقه وتسديده". وردد الشعراء هذا المفهوم, فهذا علي بن الجهم يمدح المتوكل فيقول:
وهذا البحتري ينشد المتوكل فيقول:
وأرى الخلافة وهي أعظم رتبة
حقا لكم ووراثــة ما تنزع
أعطاكموها الله عن علم بكم
والله يعطي من يشاء ويمنع
وهذا شاعر آخر يستجدي الخليفة المنصور ويقول:
آل عبـــاس أنتــــم
سـادة النـاس والغـرر
وأولـو الأمــر منكــم
حكمـاء عــلى البشـر
مـــن رأى مـؤمنــا
قـد عصاكم فقـد كفــر
أنــزل اللـــه ذاكـم
قبل في محكـم الســور
وباستمداد الخليفة سلطته من الله, أضحى حقه في الحكم (حقا إلهيا), وسلطانه مطلقا لا رقيب عليه, يتصرف على هواه ويعزو تصرفه إلى قدر الله وتسديده. وقد نشأ عن ذلك انحراف عن خطة الإسلام. فالإسلام لا يسلم بالحكم المطلق, بل يمنح المؤمنين حق الرقابة على أعمال الحاكم وتصرفاته, وهذا الحق مستمد من قوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وتمنح هذه الرقابة الحق في نقض بيعة الحاكم وعزله إذا خرج على حكم من أحكام الله .
وقد تأيد حق المؤمنين في رقابة, الحاكم في خطاب أبي بكر حين تولى الخلافة فقال: "أيها الناس, إني قد وليت عليكم ولست بخيركم, فإن رأيتموني على حق فأعينوني, وإن رأيتموني على باطل فسددوني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم, فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم. ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى أخذ الحق له, وأضعفكم عند القوي حتى آخذ الحق منه", لقد وضع أبو بكر دستور الحكم وديموقراطيته ودعا الناس إلى مراقبة أعماله, وجعل نفسه القدوة في طاعة الله وتطبيق أحكامه, ومنحهم الحق في عزله إذا حاد عن طاعة الله وخالف أحكامه.
ومن هنا نرى الفارق الجسيم بين حكومة الإسلام التي أوضح قواعدها أبو بكر وكان القدوة الصالحة في ممارستها, وبين أكثر الخلفاء الذين قامت خلافتهم على قاعدة الإرث ومنحوا أنفسهم السلطان المطلق.
وقد ترتب على ممارسة الخليفة سلطانه المطلق نشوب هذا العدد الكبير من الثورات, وكانت ظاهرة احتجاج على الظلم والاستبداد, وقد أنهكت موارد الدولة وأضعفت قوتها.
وكان من مظاهر الاستبداد إكراه الناس على أمر اعتقد الخليفة صوابه وآمن به, كما فعل المأمون حين طلب من الفقهاء أن يؤمنوا معه بأن القرآن مخلوق, فمن لم يستجب له أمر بقطع رزقه, وحبسه, ومنهم من مات في حبسه كما جرى مع أبي مسهر الغساني, شيخ مشايخ الشام .
وسار المعتصم من بعد أخيه المأمون سيرته في امتحان الفقهاء بمحنة (خلق القرآن), فجلد الإمام أحمد بن حنبل حتى تقطع جلده وزاد في الشدة من بعده ابنه الواثق, فقتل الفقيه أحمد بن نصر الخزاعي بيده وصلبه , وأمر بسجن الفقيهين البويطي وابن حماد فماتا مسجونين , وفي الفداء الجاري بين المسلمين والروم سنة 231هـ أمر أن لا يفتك من الأسر من يأبى القول بخلق القرآن, وقد أجاب جميع الأسرى بخلقه. ولم تكن مسألة خلق القرآن من الأمور التي تمس سلامة الاعتقاد, ولكن يكفي أن يكون الخليفة قد اعتقدها ليكره الناس عليها.
ومن مظاهر الاستبداد أن يأمر الخليفة بقتل من يعكر صفو مزاجه, كما فعل الأمين حين جلس يصطبح في بستان قصره - وهو محاصر من قبل جيش أخيه المأمون - فدعا جارية لتغنيه, فغنته بشعر تشاءم منه, فرماها بكأس شرابه وأمر أن تلقى في حظيرة السباع .
ومن مظاهر الاستبداد أن يسأل الخليفة محدثه عن أمر فيجيبه بما لا يسره فيأمر بقتله, كما فعل المتوكل حين سأل ابن السكيت شيخ عصره في النحو واللغة, ومؤدب ولديه المؤيد والمعتز, أيهما أفضل: ولداه أم الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب فكان جواب ابن السكيت إن قنبرا مولاهما أفضل من ولديه, فأمر المتوكل أن يدرج ابن السكيت في بساط وأن يضرب بالسياط حتى يموت, ونفذ فيه حكم الخليفة وضرب حتى مات .
هذه أمثلة من أمثال كثيرة لظاهرة الظلم والاستبداد التي مارسها الخلفاء في العصر العباسي الأول وجاراهم فيها الوزراء والعمال والقادة, وكان أكثر من عانى من قسوة البطش والاستبداد العلويون, أبناء عم العباسيين, وفي ذلك يقول الشاعر دعبل الخزاعي
وليس حي من الأحياء نعلمه
من ذي يمان ومن بكر ومن مضر
إلا وهم شركاء في دمائـهم
كما تشارك أيـسار علـى جـزر
قتل وأسر وتحريق ومنهـبة
فعل الغزاة بأرض الروم والخـزر
أرى أمية معذورون إن قتلوا
ولا أرى لبنـي العباس مـن عذر
وقد وقف الفقهاء أمام مشاهد الاستبداد والظلم فريقين: فريق أراد الدنيا فدخل في دنيا الخلفاء ونال حظه منها, ومنهم من زين أفعالهم فازداد منهم قربا. وفريق أراد الآخرة وسعى لها فتنكب عنهم وصمت على مضض, وأبى أن ينال عملا من ولاية أو قضاء, لكيلا يعمل في ظل حكم جائر فيسأل عنه. ومن هؤلاء الإمام أبو حنيفة النعمان وسفيان الثوري وعبد الله بن إدريس وعبد الله بن وهب ووكيع بن الجراح وآخرون غيرهم .
ويلحق بهذا الفريق من تزهد وتصوف وأعرض عن الدنيا واعتزل أهلها وانصرف إلى عبادة الله والتأمل في ملكوته, فصفت نفسه ورقت وأمتعته بلذة روحانية لا تعدلها لذة الحياة المادية. وبهذا الفريق بدأ عهد التصوف كظاهرة رفض للحياة المترفة واحتجاجا على شيوع الظلم والاستبداد, وكان من أوائل أهل الزهد والتصوف إبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض وجعفر بن مبشر والحارث المحاسبي وذو النون المصري .
وقد اشتدت ظاهرة الظلم في العصر العباسي الثاني وتضاعفت مع مضاعفة السلطة بين الخلفاء والمتغلبين. فقد أضيفت إلى وسائل القتل السمل والنفخ والفصد وقطع الأعضاء والحبس في المطامير والتوسيط , والموت عطشا وجوعا والطرح تحت أقدام الفيلة والإلقاء في حظيرة السباع. فكان الخليفة أو القائد المتغلب يختار لمن يقتله الميتة بإحدى هذه الوسائل أو يجمع بينها كما كان يفعل المقتدر والمعتضد, وأصبح القتل عند بعضهم ملهاة, كالقاهر فقد صنع حربة يلهو بها ويرمي بها من يشاء فيقتله .
وفي الأندلس نجد ظاهرة الاستبداد وشدة البطش عند خلفاء بني أمية وعند أمراء الطوائف, وقد تجلت بإقدام بعضهم على ذبح أبنائهم بأيديهم لخروجهم عليهم, كما نوهنا بها من قبل. ومن أشهر أمثلة البطش إقدام المعتضد بن عباد أمير إشبيلية, على الغدر ببعض أمراء الطوائف الذين كان يطمع بالاستيلاء على أملاكهم, فقد دعاهم إلى حفلة أقامها لهم, حتى إذا حضروا أطعمهم ثم حبسهم في مكان مغلق وقتلهم واحتفظ برءوسهم في صناديق, ولهذا العمل سابقة أقدم عليها الخليفة أبو جعفر المنصور فقد وجد في خزائنه جماجم قتلاه من بني أمية .
ولم يكن الفاطميون أقل بطشا بالناس. فقد قتل الحاكم بأمر الله المئات لأنهم أكلوا ما نهى عنه أو خرجوا في وقت منع الخروج فيه, أو فعلوا ما نهى عن فعله. وجرى ابنه الظاهر على سنته فقد روى الإمام السيوطي أنه دعا سنة 423هـ ألفين وستمائة جارية, فحضرن بأكمل زينتهن. فلما اكتمل جمعهن بنى عليهن بيتا ثم أضرم فيه النار فاحترقن .
وقد أدى اشتداد ظاهرة الظلم في العصر العباسي الثاني إلى نشاط التصوف والتفاف العامة حول المتصوفة, يجدون العزاء عندهم والاطمئنان, ويلتمسون في جوارهم الصبر على احتمال الظلم وتعزية النفس بوعيد الله الانتقام لهم, وكان من أشهرهم سري السقطي والجنيد وبنان الزاهد والقشيري وغيرهم.
ألاسيف
08-28-2003, 01:52 PM
العصر العباسي الثالث
السمات المميزة للعصر العباسي الثالث
هذا العصر هو امتداد للعصر العباسي الثاني, وهو يبدأ وفقا, للتقسيم الذي اعتمدناه في تحديد سني الأحداث, بخلافة المستظهر بالله سنة 487هـ وينتهي باجتياح المغول مدينة بغداد سنة 656هـ وقتلهم الخليفة المستعصم بالله وهو آخر خلفاء بني العباس وبقتله ختمت الدولة العباسية.
وقد تميز هذا العصر بكل سمات العصر الذي تقدمه وزاد عليها ما لقي العالم الإسلامي من غزو مغولي أتاه من المشرق وغزو صليبي أتاه من الغرب, وكان من قبل مستشريا في الأندلس, وما أصاب الإسلام من محن ما زال يئن تحت وطأتها ومن أبرز تلك السمات:
ألاسيف
08-28-2003, 01:59 PM
أولا- تسارع انهيار الدول الإسلامية
1- دولة السلاجقة تنتسب هذه الدولة إلى سلجوق بن دقاق, وهو زعيم دولة تركية كبيرة كانت تقطن فيما وراء النهرين (سيحون وجيحون) في منطقة واسعة تعرف بتركستان, أي بلاد الترك. وفي عام 429هـ آلت زعامة هذه القبيلة إلى (طغرلبك) حفيد (سلجوق) فاجتاز بقبيلته منطقة ما بين النهرين متوجها نحو المشرق وانتهز انشغال الغزنويين بحروب أنهكتهم, فاستولى على خراسان والري وهمذان وأزال الحكم الغزنوي عنها وأقام فيها دولة لقومه عرفت بدولة السلاجقة.
وفي عام 432هـ استولى على جرجان وطبرستان وامتدت دولته إلى قزوين . وفي عام 446هـ استنصره الخليفة العباسي القائم بأمر الله ودعاه إلى بغداد لينقذه من وزيره أرسلان البساسيري, وكان قد استولى على السلطة واستبد بها وملك أمر العراق وخطب للمستنصر الفاطمي صاحب مصر, فاستجاب طغرلبك لدعوته وزحف إلى بغداد وقضى على البساسيري وأنهى الحكم البويهي فيها, ثم استولى على الموصل وأذربيجان وسنجار وتمت له السيطرة على البلاد الإيرانية من شاطئ نهر سيحون إلى ساحل البحر الأسود ومن شواطئ بحيرة خوارزم إلى بحر عمان .
وفي عام 455هـ توفي طغرلبك وآلت خلافته إلى ابن أخيه ألب أرسلان فتابع مسيرة عمه ووجه عام 463هـ جيشا بقيادة قائده (أتسز) إلى بلاد الشام فاستولى على دمشق وتوجه سنة 464هـ على رأس جيش لفتح الأناضول فاستولى على أرمينية بعد معركة ضارية مشهورة مع الروم جرت في (ملاذكرت) وفيها هزم جيش الروم وأسر مليكه رومانوس الرابع.
وفي عام 465هـ أقدم باطني إسماعيلي على اغتيال (ألب أرسلان) فخلفه ابنه ملكشاه وفي عهده أخذت الدولة السلجوقية في التقلص بعد انقسامها إلى دولة موزعة بين أبناء البيت السلجوقي, فدولة في خراسان ودولة في الشام ودولة في بلاد الروم.
أما دولة السلاجقة في خراسان فقد آلت إلى سنجر بن ألب أرسلان وانتهت بوفاته سنة 552هـ باستيلاء دولة خوارزم عليها.
وأما دولة السلاجقة في العراق فقد آلت إلى محمد بن ملكشاه ومن بعده إلى ابنه محمود وتوارثها من بعده أبناؤه ثم زالت باستيلاء دولة خوارزم عليها سنة 573هـ في عهد آخر ملوكها ركن الدين طغرل (الثاني).
وأما دولة السلاجقة في الشام فقد آلت إلى (تتش) بن ملكشاه وانقسمت بعد مقتله سنة 488هـ بين ولديه: دقاق ورضوان, فاختص دقاق بدمشق واختص رضوان بحلب, وانقضت دولة حلب بعد وفاة آخر ملوكها سلطان شاه بن رضوان باستيلاء نجم الدين إيلغازي صاحب ماردين عليها سنة 511هـ بدعوة من أهلها, ثم بقيام عماد الدين زنكي صاحب الموصل بالاستيلاء عليها سنة 521هـ, وبعد اغتياله سنة 541هـ قيام ابنه نور الدين محمود خلفا له فيها.
وانقضت دولة دمشق وصاحبها دقاق بن تتش سنة 497هـ باستيلاء أتابكه (نائبه) القائد طغتكين على السلطة, وبوفاته سنة 522هـ قيام ابنه تاج الدولة بوري خلفا له, وقد نسبت الدولة إليه فعرفت بالدولة البورية وامتدت أيامها حتى استولى عليها نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي سنة 549هـ وضمها إلى حلب وجعلها عاصمة الدولة الأتابكية في بلاد الشام .
وأما دولة السلاجقة في بلاد الروم فقد قامت بزعامة سليمان بن قتلمش, من أحفاد سلجوق ومن أبناء عمومة ألب أرسلان فقد تزعم سليمان عصابات تركية في أعقاب وقعة (ملاذكرت) وأخذ يطارد فلول جيش الروم ويستولي على الأقاليم التي يجتاحها حتى إذا اقترب من سواحل بحر مرمرة سنة 470هـ استقر في مدينة (نيقية) - أزنيك الحالية - وأقام فيها دولة سلجوقية.
وفي عام 477هـ حاول سليمان الاستيلاء على بلاد الشام واستخلاصها من (تتش) بن ملكشاه في معركة جرت بينهما فلم يتمكن من الفرار وقتل فيها فخلفه ابنه داود وتلقب بلقب (قليج أرسلان).
ولما قدمت الحملة الصليبية الأولى واقتحمت القسطنطينية سنة 490هـ ثم اجتازتها إلى آسية, اضطر قليج أرسلان إلى التخلي عن (نيقية) وانسحب مع قومه إلى الجنوب الشرقي من الأناضول واتخذ من مدينة (قونية) عاصمة لملكه.
وفي عام 500هـ يتوفى قليج أرسلان فتتوزع أقاليم دولته بين أبنائه وإخوته وتستحيل إلى مجموعة دويلات اتصلت بينها الحروب. إلى أن قامت الدولة العثمانية سنة 699هـ فانطوت تحت جناحها
ألاسيف
08-28-2003, 02:01 PM
2- الدولة الغزنوية
قامت هذه الدولة بزعامة القائد التركي (ألب تكين) وكان مولاه منصور بن نوح الساماني ملك خراسان قد ولاه سنة 351هـ أميرا على سجستان (أفغانستان), فاستقل بها وأقام فيها دولة اتخذ (غزنة) عاصمة لها فعرفت بالدولة الغزنوية,
وقد تعاقب عليها واحد وعشرون ملكا كان أشهرهم محمود بن سبكتكين المعروف بمحمود الغزنوي. ثم انقضى عهدها باستيلاء الدولة الغورية عليها سنة 582هـ في عهد آخر ملوكها تاج الدولة خسرو ملك.
3- الدولة الغورية
تأسست هذه الدولة في بلاد الغور سنة 439هـ بزعامة عز الدين حسين ابن حسن بن محمد وأخذت تزاحم الدولة الغزنوية حتى قضت عليها سنة 582هـ وضمتها إليها, وقد امتدت فتوحاتها إلى بلاد الهند ومنها انبثقت دولة المماليك الأتراك وكان قطب الدين أيبك أول ملوكهم في الهند.
وفي عام 612هـ خضعت الدولة الغورية للسيادة الخوارزمية وزالت معها بالغزو المغولي سنة 628هـ.
4- الدولة الخوارزمية
قامت هذه الدولة في بلاد خوارزم جنوب بحيرة (آرال) ومصب نهر (جيحون), بزعامة القائد التركي (أنوشتكين), وكان السلطان السلجوقي قد ولاه عليها سنة 470هـ,
وقد اتسعت في عهد ملكها سلطان شاه محمود بن إيل أرسلان باستيلائها على خراسان وإزالة الحكم السلجوقي عنها بعد وفاة السلطان سنجر بن ملكشاه سنة 552هـ ثم باستيلائها على الدولة الغورية سنة 612هـ.
وفي عام 628هـ استولى عليها المغول وأزالوا دولتها في عهد آخر ملوكها جلال الدين منكبرتي.
5- الدولة الأرتقية
تنتسب هذه الدولة إلى زعيم عشيرة من التركمان يدعى (أرتق بن أكسب), وكان قد التحق عام 449هـ بخدمة السلطان السلجوقي تتش بن ألب أرسلان صاحب بلاد الشام فأقطعه القدس وما حولها. ولما توفي (أرتق) خلفه ولداه: معين الدين سقمان, ونجم الدين إيلغازي.
وفي سنة 491هـ استرد الفاطميون القدس فأخرجوهما منها, فتوجها بقومهما من التركمان إلى الجزيرة الفراتية فتملك معين الدين سقمان ديار بكر (آمد) وتملك نجم الدين إيلغازي (ماردين) وأقام كل منهما فيما تملك دولة أرتقية.
وفي عام 511هـ حاصر الصليبيون مدينة حلب فاستنجد أهلها بنجم الدين إيلغازي فأنجدهم وقاتل الصليبيين في معركة جرت في (سهل بلاط) سنة 513هـ وأسر زعيمهم (روجيه ده سالرنو) أمير أنطاكية وتملك حلب وأقام فيها دولة أرتقية تعاقب أبناؤه عليها إلى أن استولى عليها عماد الدين زنكي عام 521هـ وأقام فيها دولة أتابكية.
6- الدولة الأتابكية
تنتسب هذه الدولة إلى عماد الدين زنكي بن آقسنقر وكان (أتابك) - أي نائب - السلطان السلجوقي محمود بن محمد بن ملكشاه سلطان العراق, وفي عام 516هـ ولاه السلطان على الموصل فأقام فيها دولة عرفت بالدولة الأتابكية.
وفي عام 521هـ استولى عماد الدين على حلب وأزال الدولة الأرتقية.
وفي عام 541هـ اغتال عماد الدين زنكي في قلعة جعبر بعض غلمانه فانقسمت الدولة الأتابكية إلى دولتين: دولة في الموصل ودولة في حلب .
أما دولة الموصل فخلفه فيها ابنه سيف الدين غازي الأول وتعاقب عليها من بعده أبناؤه حتى انقضى عهدها باستيلاء المغول عليها سنة 660هـ.
وأما دولة حلب فخلفه فيها ابنه نور الدين محمود. وفي عام 549هـ استولى نور الدين على دمشق وضمت إليه بلاد الشام .
ولما توفي سنة 569هـ خلفه فيها ابنه الصالح إسماعيل. وفي عام 579هـ تولى صلاح الدين الأيوبي ضمها إلى الدولة الأيوبية التي أقامها في مصر فأضحت معها دولة واحدة.
ألاسيف
08-28-2003, 02:07 PM
7- الدولة الأيوبية
تنتسب هذه الدولة إلى صلاح الدين بن نجم الدين أيوب, وقد استقل بمصر بعد وفاة العاضد الفاطمي سنة 567هـ وكان وزيرا له بعد قتل وزيره شاور بن مجير السعدي. استولى صلاح الدين على بلاد الشام بعد وفاة نور الدين محمود وضمها إلى مملكة مصر وضم إليها الحجاز واليمن وبعض أنحاء الجزيرة .
وقد قسم صلاح الدين أقاليم الدولة, قبل وفاته, بين أبنائه وإخوته فتحولت الدولة الكبرى بعد وفاته سنة 589هـ إلى دويلات ثارت فيها الحروب والفتن بين أصحابها فتهاوى بعضها إثر بعض وكانت مصر أول ما انهار منها فسقطت بيد المماليك في عهد السلطان تورانشاه بن نجم الدين أيوب آخر ملوك الدولة الأيوبية في مصر.
وقد تتابع سقوط الدويلات الأيوبية الأخرى في بلاد الشام في عهد الملك المملوكي الظاهر بيبرس البند قداري وضمت إلى دولة المماليك.
8- دولة المماليك (البحرية)
تنتسب هذه الدولة إلى الملوك الأتراك الذين كانوا من مماليك السلطان الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل الأيوبي وكان الملك الكامل قد بنى لهم في جزيرة الروضة بنهر النيل - وكان يعرف ببحر النيل - قلعة فعرفوا بالمماليك البحرية وأولهم الملك المعز عز الدين أيبك, وقد انتقل إليه الملك عن طريق شجرة الدر زوجة الملك الصالح نجم الدين وكانت تولت الملك بعد وفاته ثم تزوجت من عز الدين أيبك وتنازلت له عن الملك فانتقل الملك عن طريقها إلى المماليك.
وقد اتسعت دولة المماليك في عهد الملك الظاهر بيبرس البندقداري فقضى على الدويلات الأيوبية في بلاد الشام وضمها إلى دولة المماليك في مصر وتداول الملك بعده خمسة وعشرون ملكا, وقامت من بعدهم دولة المماليك البرجية ودامت حتى استولى العثمانيون على مصر والشام سنة 922هـ.
9- الخلافة العباسية في مصر
ادعى الخلافة بحد مقتل الخليفة المستعصم سنة 656هـ اثنان من بني العباس, أحدهما يدعى أبا العباس أحمد بن علي وجده الأعلى المسترشد بالله بن المستظهر بالله, والآخر يدعى أبا القاسم أحمد بن الظاهر بأمر الله وهو أخو المستنصر بالله ويلتقي مع الأول بالخليفة المستظهر بالله.
وقد توجه الأول إلى حلب وأثبت فيها نسبه بشهادة جماعة من عرب خفاجة فبايعه أمير حلب حسام الدين بن أبي الفوارس وبايعه معه جماعة من العلماء وفيهم الشيخ عبد الحليم بن تيمية.
وتوجه الآخر إلى القاهرة وأثبت نسبه بشهادة جماعة من عرب مهارش فبايعه الملك الظاهر بيبرس وبايعه معه جماعة من الأعيان والعلماء وتلقب بالمستنصر بالله عام 659هـ. وقد طلب من الملك الظاهر أن يجهزه بقوة ليقاتل المغول فزوده بقوة قليلة هزمها المغول وفيها قتل الخليفة المستنصر, وقدم أبو العباس أحمد إلى القاهرة فبويع فيها خلفا للمستنصر وتلقب بالحاكم بأمر الله.
واستمرت خلافة بني العباس في مصر حتى استولى العثمانيون عليها سنة 922هـ بقيادة السلطان سليم الأول وقد تنازل الخليفة العباسي عن الخلافة للسلطان العثماني فنقلها إلى القسطنطينية وظلت قائمة في أعقابه إلى أن زالت بزوال الدولة العثمانية سنة 1342هـ \ 1923م.
10- دول الأندلس
وإفريقية اجتاز المسلمون البحر من المغرب الأقصى إلى الأندلس عام 92هـ بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير وخضعت مع ما فتح من بلاد شمال إفريقية إلى دولة بني أمية بدمشق. ولما انقضى عهد الأمويين بقتل مروان الثاني آخر ملوكهم تمكن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي من الدخول إلى الأندلس سنة 138هـ فسمي عبد الرحمن الداخل وأنشأ دولة أموية واتخذ من مدينة (قرطبة) عاصمة لها.
وقد تمكن من إخضاع الجماعات التي ثارت عليه فثبت ملكه وتعاقب على دولته ستة عشر ملكا وبلغت ذروة مجدها في عهد ثامنهم عبد الرحمن الناصر بن محمد وتلقب بالخليفة. ثم أخذت الدولة تنحدر وتتهاوى بعد وفاته سنة 350هـ إلى أن انهارت في عهد هشام الثالث المعتد بالله ( 399 - 400هـ) وتوزعت في عهد خلفه المستعين بالله (400 - 403هـ) إلى دويلات من عرب وبربر, يتزعمها قادة منهم عرفوا بملوك الطوائف.
ولم يلبث هؤلاء الملوك أن تنازعوا فيما بينهم وطمع كل منهم بملك الآخر, وأخذوا يستنصرون بملوك الإسبان فكانوا ينصرون الأخ على أخيه وابن الأخ على عمه وينالون أجر ذلك تنازلا عن قلاع وحصون ويدفعون صاغرين ما كان يفرضه عليهم ملوك الإسبان من أتاوى.
وقد أخذت ساحات الدول الإسبانية تتسع من حيث أخذت ساحات دول الطوائف تضيق وتنحسر مع السنين الملأى بأحداث الثورات والحروب حتى انحصرت في أقصى الجنوب وتجمع بقاياها في غرناطة في عهد آل الأحمر من بني نصر وفيها أقاموا دولة لهم ظلت تعاني من حصار مملكتي قشتالة وأراغون حتى استسلمت لهما سنة 897هـ \1491م وباستسلامها زالت دولة الإسلام في الأندلس بعد أن دامت ثمانمائة عام.
11- دولة المرابطين
تأسست هذه الدولة في المغرب الأقصى سنة 453هـ بزعامة يوسف بن تاشفين اللمتوني (نسبة إلى قبيلة لمتونة البربرية) وكان رجالها يشدون اللثام (النقاب) على وجوههم فعرفوا بالملثمين.
وقد لبى يوسف بن تاشفين دعوة المعتمد بن عباد ملك إشبيلية, ليصد عنه عدوان ألفونسو السادس ملك قشتالة فاجتاز البحر إلى الأندلس سنة 479هـ على رأس جيوش من البربر وتمكن من هزم الملك الإسباني في وقعة شهيرة جرت في سهل (الزلاقة). وخضعت بعدها دويلات طوائف الملوك لسلطان المرابطين.
وبعد وفاة يوسف بن تاشفين سنة (500هـ) خلفه ملوك من أبنائه فيهم المنصرف إلى لهوه وفيهم الفتى الماجن وفيهم الحدث القاصر, ولم يخل الأمر من نزاع بينهم فأخذت الدولة في الانهيار وطمع بها الموحدون فاستولوا عليها سنة 541هـ في عهد آخر ملوكها إسحاق بن علي بن تاشفين حفيد يوسف بن تاشفين
12- الموحدون
تنتسب هذه الدولة إلى محمد بن تومرت, من قبيلة (زناتة البربرية) وموطنها في الجنوب الشرقي من المغرب الأقصى. وكان ابن تومرت قد دعا إلى مذهب التوحيد فعرف أصحابه بالموحدين وتلقب بالمهدي, ولما توفي سنة 524هـ خلفه في دعوته تلميذه المقرب إليه عبد المؤمن بن علي, فأخذ يغير على المرابطين وتمكن في عام 541هـ من الاستيلاء على مدينة مراكش وأزال دولة المرابطين في المغرب الأقصى وأقام دولة للموحدين.
وقد اشتدت قوة الموحدين في عهد ابنه أبي يعقوب يوسف الأول. ففي عام 567هـ اجتاز البحر إلى الأندلس وأخضع بها من ظل مواليا للمرابطين كابن مردنيش وابن غانية.
ولما توفي سنة 580هـ خلفه ابنه أبو يوسف يعقوب المنصور وفي عهده بلغت دولة الموحدين أوجها في العز والمنعة, فقد اجتاز البحر إلى الأندلس عدة مرات صد فيها عدوان الإسبان وكان آخرها عام 591هـ في الوقعة التي هزم فيها ألفونسو الثامن هزيمة منكرة وعرفت بوقعة (الأرك) وأحيا فيها وقعة الزلاقة التي جرت من قبل عام 479هـ.
ولما توفي أبو يوسف يعقوب المنصور سنة 595هـ خلفه ابنه الناصر لدين الله محمد وفي عهده أخذت دولة الموحدين في الانهيار, فقد اشتبك مع الإسبان في معارك هزم فيها وكان أشدها وقعا تلك التي جرت سنة 609هـ والتي عرفت بوقعة (العقاب) وتتابعت هزائم الموحدين بعدها في عهد أخلافه منها هزيمة وقعة (أبي دانس) سنة 614هـ.
ولم يطل عهد الموحدين بعد ذلك فقد استولى بنو مرين على دولتهم سنة 668هـ في عهد آخر ملوكهم إدريس الملقب بأبي دبوس.
13- دولة بني مرين
تنتسب هذه الدولة إلى مؤسسها عبد الحق المريني من قبيلة زناتة البربرية, المقيمة في منطقة (سجلماسة) بالمغرب الأقصى. ففي عام 610هـ تحول عبد الحق بقبيلته إلى بلاد الريف منتجعا وأخذ يغير على مناطق الموحدين والتقى معهم سنة 612هـ في معركة هزمهم فيها وتوالت بعد ذلك هزائم الموحدين حتى تم لبني مرين إزالة دولتهم سنة 668هـ وقد امتدت دولة بني مرين في المغرب الأقصى إلى سنة 875هـ.
14- دولة بني زيان
من بني عبد الواد تنتسب هذه الدولة إلى مؤسسها أبي يحيى يغمراسن بن زيان العبدوادي, من بني زيان بتلمسان. ففي عام 633هـ استقل يغمراسن بتلمسان واشتملت دولته على إفريقية الوسطى (الجزائر) وخضعت بضع سنين للسيادة المرينية وامتد عمرها حتى استولى عليها العثمانيون سنة 962هـ.
15- دولة الحفصيين
تنتسب هذه الدولة إلى أبي حفص عمر بن أبي زكريا يحيى الهنتاتي, وكان أبو زكريا من عمال دولة الموحدين بتونس ثم استقل عنها سنة 625هـ, وقامت بين أخلافه خصومات انقسمت بسببها الدولة سنة 681هـ إلى دولتين: دولة في تونس ودولة في (بجاية) بالمغرب الأوسط, وامتدت إلى أن استولى عليها العثمانيون سنة 941هـ.
ألاسيف
08-28-2003, 02:19 PM
ثانيا - أسباب وعوامل انهيار الدول الإسلامية
رأينا فيما تقدم تتابع انهيار الدول الإسلامية, ومنها ما لا يتجاوز عمرها سنين معدودات, ومن طال بقاؤه من الحكام أمضى السنين المتأخرة من حياته في كبوة وعناء, ومصدر ذلك أسباب أهمها: ارتقاء ملوك صغار سدة الملك, والصراع على الملك والسلطان. والانصراف إلى الترف والمجون, والاستبداد والظلم.
1- ارتقاء ملوك صغار سدة الملك هذه الظاهرة كانت سمة بارزة في العصر الذي نتناول تدوين أحداثه. فقد ارتقى سدة الملك ملوك صغار منهم أطفال ومنهم أحداث مراهقون, نذكر فيما يلي طرفا منهم:
في دولة بني العباس
أ- المقتدر خلف أخاه المكتفي سنة 295هـ وعمره ثلاث عشرة سنة.
ب- المقتدي خلف جده القاسم بأمر الله سنة 467هـ وعمره ستة عشر عاما.
جـ- المستظهر خلف أباه المقتدي سنة 487هـ وعمره سبعة عشر عاما.
في الدولة السلجوقية
أ- ملكشاه الثاني خلف أباه بركياروق وعمره أربع سنوات.
ب- محمود بن محمد بن ملكشاه الأول خلف أباه وعمره أربعة عشر عاما.
في الدولة الفاطمية
أ- الظاهر بن الحاكم بأمر الله خلف أباه سنة 411هـ وعمره ستة عشر عاما, وكان أبوه الحاكم قد خلف أباه العزيز سنة 365هـ وعمره أحد عشر عاما.
ب- المستنصر خلف أباه الظاهر سنة 427هـ وعمره سبع سنين.
جـ- الآمر بأحكام الله خلف أباه المستعلي سنة 495هـ وعمره خمس سنين.
د- الظافر خلف أباه الحافظ سنة 544هـ وعمره سبعة عشر عاما.
هـ- الفائز خلف أباه الظافر سنة 549هـ وعمره خمس سنين.
و- العاضد خلف جده الحافظ سنة 555هـ وعمره أحد عشر عاما.
في الدولة الأتابكية
أ- عز الدين مسعود الثاني خلف أباه مودود بن عماد الدين زنكي سنة 572هـ وعمره عشر سنين.
ب- نور الدين أرسلان خلف أباه عز الدين مسعود سنة 589هـ وعمره عشر سنين.
ج- الصالح إسماعيل خلف أباه نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي سنة 569هـ وعمره أحد عشر عاما.
في الدولة الأيوبية
أ- المنصور محمد حفيد الناصر صلاح الدين الأيوبي خلف أباه العزيز عثمان سنة 595هـ وعمره عشر سنين.
ب- الأشرف موسى حفيد الملك الكامل الأول خلف ابن عمه تورانشاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة 648هـ وعمره ستة أعوام.
ج- الملك العزيز محمد خلف أباه الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي سنة 612هـ وعمره ثلاث سنوات.
د- الناصر صلاح الدين (الثاني) يوسف بن العزيز محمد خلف أباه سنة 634هـ وعمره سبع سنين.
في دولة المماليك
أ- الملك العادل سلامش خلف أباه الملك الظاهر بيبرس سنة 678هـ وعمره سبع سنين.
ب- الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون خلف أباه (في ولايته الأولى) سنة 693هـ وعمره تسع سنين وأربعة عشر عاما في ولايته الثانية.
جـ- الملك الأشرف كجك خلف أباه الناصر محمد بن قلاوون وعمره سبع سنين.
د- الملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون خلف أخاه شعبان وعمره سبعة عشر عاما.
هـ- الملك الناصر حسن خلف أخاه سيف الدين حاجي بن الناصر محمد بن قلاوون وعمره أحد عشر عاما.
في الدولة الأموية بالأندلس
هشام الثاني المؤيد بن الحكم المستنصر خلف أباه سنة 366هـ وعمره عشر سنين.
في دولة المرابطين
إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين خلف ابن أخيه إبراهيم بن تاشفين سنة 541هـ وعمره عشر سنين.
في دولة الموحدين
المستنصر أبو يعقوب بن محمد الناصر خلف أباه سنة 611هـ وعمره ستة عشر عاما.
لم يكن على سبيل الحصر من عددنا من أطفال وأحداث ومراهقين رقوا سدة الملك, بل على سبيل المثال. فقد أتاح نظام الخلفية في دول الإسلام أن يخلف الابن أباه أو أخاه ولو لم تتوفر فيه أهلية الحكم, وهذا ما لا يأتلف مع شريعة الإسلام, لأن شروط الخلافة أن يقوم اختيار الخليفة على مبدأ الشورى وأن يكون راشدا سليم العقل ومن أهل العلم.
وقد أدى نظام الخلفية في الملك وارتقاء الصغار سدة الحكم إلى تزاحم الوزراء والأمراء في الوصاية عليهم أو النيابة عنهم. لأن من يحظى بذلك تؤول إليه السلطة الفعلية في الحكم وفي التصرف بأموال الدولة كما يشاء فيغنى غناء فاحشا. وإذا وقع الاختيار على واحد منهم, أقيم الاحتفال بخلافة الخلف فيزين بزينة الملك ويكسى بكسوته, وقد يكون الخلف صغيرا فيحمله من انتصب وصيا عليه ويدخل به مكان الاحتفال, وقد يرتاع الصغير مما يشهد فيندفع بالبكاء, وقد يشتد روعه ويجري له أمر فزعا, كما جرى للفائز الفاطمي - وكان في الخامسة من العمر - حين حمله الوزير العباس بن أبي الفرج الصنهاجي ودخل به إلى مكان الاحتفال, فارتاع الصبي مما رأى وبال على كتف الوزير.
وإذا كان الخلف حدثا حجزوه بالقصر, بعد الاحتفال بخلافته, وحجبوه عن الناس وجمعوا له صبية في مثل عمره يلاعبونه. وإذا كان الخلف مراهقا ألهوه بالجواري وبكل ما يغري من كان في مثل سنه من أنواع المتع واللهو الماجن كما جرى للظافر بن الحافظ الفاطمي حين بويع خلفا لأبيه وهو في السابعة عشرة من العمر.
ألاسيف
08-28-2003, 02:20 PM
2- الصراع على الملك أدى انشطار العالم الإسلامي إلى دويلات إلى نزاع بين ملوكها وصراع مرير أدى إلى انهيارها وزوالها, كما أدى تربع الصغار والأحداث سدة الملك إلى استئثار نوابهم (الأتابكة) بالسلطة وائتمار بعضهم ببعض لانتزاع هذه السلطة واستبدادهم بها.
أ- ففي دولة السلاجقة
كان طغرلبك الأول, مؤسس دولة السلاجقة, قد عهد بالخلافة من بعده إلى ابن أخيه سليمان بن داود, فلما توفي طغرلبك سنة 455هـ انتزع ألب أرسلان بن داود السلطنة من أخيه سليمان, ثم ثار عليه ابن عمه قتلمش بن أرسلان بيغو فقاتله ألب أرسلان وقتله.
وخلف ملكشاه أباه ألب أرسلان بعد وفاته سنة 465هـ فخرج عليه سليمان بن قتلمش وتمكن من بسط نفوذه على قسم كبير من آسيا الصغرى (الأناضول) كما أوضحنا من قبل. وفي عام 466هـ ثار قاورت بن داود على ابن أخيه ملكشاه فلقيه ملكشاه بناحية همذان وأسره ثم قتله.
وفي عام 473هـ ثار (تتش بن ألب أرسلان) على ابن أخيه ملكشاه واستولى على بعض مدن خراسان فصالحه ملكشاه على أن يملك (تتش) بلاد الشام فملكها وأقام فيها دولة سلجوقية على نحو ما بينا من قبل.
وفي عام 486هـ توفي ملكشاه فخلفه ابنه بركياروق سلطانا أعظم على السلاجقة فطلب (تتش) السلطنة لنفسه وتوجه إلى (أصبهان) يقاتل بركياروق من أجلها وجرت بينهما معركة فاصلة سنة 488هـ قتل فيها (تتش).
ولم يكد بركياروق يفرغ من قتال عمه (تتش) حتى نازعه على السلطنة العظمى أخواه (سنجر) و (محمد) ابنا ملكشاه وجرت بينهما حروب أدت إلى وهن فيهم وضعف وانتهت باستيلاء دولة خوارزم على دولة السلاجقة في المشرق.
ب- في الدولة الفاطمية
بلغت الدولة الفاطمية أوج رفعتها وأقصى سعتها في عهد المعز لدين الله ثم أخذت في التردي والانهيار في عهد ابن حفيده المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بأمر الله ويرجع هذا التردي إلى العوامل الآتية:
أ- صغر سن المستنصر. فقد بويع خلفا لأبيه الظاهر سنة 427هـ وله من العمر سبع سنين فتولت الجواري والخصيان العناية به والإشراف عليه, وتركت أمور الدولة بين يدي والدته ووزيره أبي منصور صدقة بن يوسف الفلاحي. وكانت أم المستنصر جارية سوداء ليهودي يدعى أبا سعد إبراهيم بن سهل التستري وكان الظاهر قد اشتراها منه واستولدها ابنه المستنصر.
ولما خلف المستنصر أباه وزر له أبو منصور صدقة الفلاحي, وكان يهوديا ثم أسلم وارتفع شأن اليهود في زمان وزارته وأسندت إليهم مناصب الدولة, وولت أم المستنصر سيدها أبا سعد التستري اليهودي وظيفة المستشار لها وعهدت إليه بإدارة أملاكها, وأخذ اليهودي في اضطهاد المسلمين, وسار في الناس شعر نظمه أحد الشعراء يندب حال المسلمين وفيه يقول:
يهود هذا الزمان قد بلغو
غاية آمالهم وقد ملكوا
العز فيهم والمال عندهم
ومنهم المستشار والملك
يا أهل مصر قد نصحت لكم
تهودوا فقد تهود الفلك
ب- أخذ الوزير الفلاحي والمستشار التستري يتنازعان السلطة, وقد استمال الفلاحي الجند الأتراك فقتلوا بأمره التستري ونقمت أم المستنصر على الفلاحي فشرعت في شراء العبيد السود فقتلوا الفلاحي, وثارت الفتنة بين الأتراك والعبيد ودعي القائد بدر الجمالي, أمير عكا فقدم إلى مصر سنة 455هـ وأخمد الفتنة.
جـ- توفي بدر الجمالي سنة 487هـ فخلفه في الوزارة وفي قيادة الجيش ابنه الأفضل أبو القاسم شاهنشاه, وكان المستنصر قد تزوج بأخت الأفضل واستولدها ولدا سماه أحمد وكان له من زوجة أخرى ولد اسمه نزار, وهو أكبر أولاده وقد عهد إليه بخلافته.
وتوفي المستنصر بعد وفاة بدر الجمالي بقليل وولى الأفضل ابن أخته أحمد الخلافة ولقبه المستعلي وقتل نزارا, وقد أدى ذلك إلى شطر الفاطمية الإسماعيلية إلى شطرين: المستعلية والنزارية.
د- في أيام المستعلي اجتاحت الحملة الصليبية الأولى بلاد الشام سنة 492هـ واستولت على أنطاكية وعلى مدن الساحل, وكانت إمارات مستقلة. ثم استولت على مدينة القدس سنة 493هـ ولم تتمكن الحامية الفاطمية من الدفاع عنها فاجتاحها الصليبيون وحلت بها الكارثة الكبرى وأقامها الصليبيون عاصمة لمملكتهم فيها.
هـ- وفي عام 495هـ توفي المستعلي فخلفه ابنه علي وله من العمر خمس سنوات ولقبوه بلقب الآمر بأحكام الله وتولى الأفضل بن بدر الجمالي زمام الحكم واستبد به. ولما شب الآمر برم به وعزم على قتله وتولى تنفيذ القتل رجل مقرب من الآمر يدعى أبا عبد الله البطائحي, وكان الآمر قد مناه بالوزارة فقتله وخلفه في الوزارة سنة 515هـ وتلقب بالمأمون.
و- وكان للآمر أخ يدعى جعفرا, وكان يطمع بالملك فاتفق مع البطائحي على قتل أخيه الآمر, فأحس الآمر بالأمر فقتل البطائحي سنة 519هـ ثم لقي الآمر المصير نفسه إذ تربص به جماعة من الإسماعيلية النزارية (وهم خصوم الإسماعيلية المستعلية) وقتلوه وهو يجوز الجسر إلى جزيرة الروضة ثم يقبض عليهم ويقتلون.
وفي أيام الآمر استولى الصليبيون على طرابلس سنة 502هـ ثم استولوا على (عرقة وبانياس وبيروت وصيدا) وتسلموا مدينة صور سنة 518هـ وحاولوا غزو مصر.
ز- بعد مقتل الآمر خلفه عبد المجيد بن محمد بن المستنصر وتلقب بالحافظ, وولى الوزارة أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي, ولم يلبث أحمد أن اغتيل فولى الحافظ الوزارة ابنه الحسن وكان ولي عهده, فأساء السيرة وقتل كثيرا من الأمراء وصادر الأموال وتواعد على قتل من سلم من الأمراء فقتله أبوه الحافظ بالسم.
حـ- توفي الحافظ سنة 544هـ فخلفه ابنه إسماعيل وتلقب بالظافر وعمره سبعة عشر عاما وأقاموا له سليمان بن مصار وزيرا فأقام في الوزارة شهرين وخرج عليه أبو الحسن علي بن سلار والي الإسكندرية وانتزع منه الوزارة وتلقب بالعادل سيف الدين.
وفي عام 548هـ اغتاله ربيب له يدعى نصر بن العباس بن أبي الفتوح الصنهاجي فتولى أبوه العباس الوزارة وكان الظافر - فيما يقال - مولعا بابنه نصر, فأوعز إليه أبوه أن يقتله فقتله ورماه في بئر وفقد ولم يعلم بقتله أحد واتهم العباس الصنهاجي أخوي الظافر بقتله فقتلهما ودخل إلى القصر وأخرج عيسى بن الظافر, وعمره خمس سنوات, وحمله على كتفه ودخل به إلى مجلس فيه الأعيان والفقهاء فبايعوه ولقبوه بالفائز. ونظر الطفل إلى المشهد الحافل وسمع ضجيج الناس فارتاع وبال على كتف الوزير كما أوضحنا من قبل وتولى العباس الصنهاجي الوزارة وتلقب بالأفضل ركن الدين, وآلت إليه أمورها, فاستبد واستباح الأرواح والأموال, ولم يلبث أن ثار عليه الجند والناس واستنجدوا بأمير الصعيد, طلائع بن رزيك فقصد القاهرة وتمكن من القبض على العباس الصنهاجي وعلى ابنه نصر وقتلهما وولى شاور بن مجير السعدي خلفا له على إمارة الصعيد.
ط- تولى طلائع بن رزيك الوزارة خلفا للعباس الصنهاجي وتلقب بالملك الصالح واستقل بأمور الدولة وأخذ يبيع الولايات للأمراء ويجمع الأموال, فساءت سيرته وضاق به رجال القصر, وبرم الناس بتصرفاته, وكان الفائز بكفالة عمته الكبرى, فشرعت تعد العدة لقتله, فلما علم بذلك سارع إلى قتلها ونقل كفالة الفائز إلى عمته الصغرى.
وفي عام 555هـ توفي الفائز عن عشر سنين وجاء طلائع بحفيد للحافظ الفاطمي يدعى عبد الله بن يوسف بن الحافظ, وكان طفلا في الحادية عشرة من عمره فبويع بالخلافة ولقبوه بالعاضد واستمر طلائع بن رزيك في الوزارة. وكانت عمة الفائز الصغرى التي تولت رعايته بعد مقتل أختها قد عزمت على قتله وتمكنت من دس جماعة لاغتياله فقتلوه وتولى الوزارة من بعده ابنه رزيك بن طلائع
ي- ثار شاور بن مجير السعدي, أمير الصعيد, على رزيك, وكان طامعا بالوزارة, فقصد القاهرة مع جمع من أعراب الصعيد وقاتل رزيك وقتله واستولى على الوزارة, فنازعه فيها ضرغام بن عامر اللخمي, وكان من أمراء رزيك وأعوانه, وانتزع منه الوزارة.
ك- فزع شاور إلى نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي صاحب الشام فأنجده لقاء شروط تعهد بها, وجهز له جيشا بقيادة القائد أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه يوسف بن أيوب, وقصد الجيش القاهرة وقاتل ضرغاما في معركة قتل فيها ضرغام وأعيد شاور إلى الوزارة وعاد أسد الدين إلى دمشق . ولما استقل شاور بالحكم خشي من أطماع نور الدين محمود فحالف الصليبيين وأدخلهم أرض مصر, فوجه نور الدين جيشا إلى مصر بقيادة أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه يوسف بن أيوب, فأخرج الصليبيين منها وقبض على شاور وقتله.
ل- أسند الخليفة العاضد الفاطمي الوزارة إلى أسد الدين شيركوه فتوفي بعدها بستة أشهر فأسند الخليفة الوزارة إلى ابن أخيه يوسف ولقبه الناصر لدين الله صلاح الدين, ولم يلبث صلاح الدين أن قطع الخطبة للعاضد وخطب للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله ومات العاضد متأثرا بما حصل له, وكان آخر خلفاء الفاطميين. واستقل صلاح الدين بمصر وبه قامت الدولة الأيوبية.
وقد علق المؤرخ المصري ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة, بما كان يجري بين الطامعين بالوزارة في العهد الفاطمي من تآمر وقتال فيقول (... وهذا شأن أرباب المناصب, إذا عزل أحدهم بآخر أراد هلاكه ولو هلك العالم معه, وهذا البلاء من تلك الأيام إلى يومنا هذا).
ألاسيف
08-28-2003, 02:28 PM
ح- الدولة الأيوبية
أ- قسم صلاح الدين الأيوبي, قبيل وفاته, دولته التي ضمت مع مصر بلاد الشام والحجاز واليمن والجزيرة, بين أبنائه وبين إخوته وأبنائهم وبين أبناء أعمامه, فجعل دمشق ومدن الساحل لابنه الأفضل علي, وهو أكبر أبنائه, وجعل مصر وجنوب الشام لابنه الملك العزيز عثمان وجعل حلب وأعمالها لابنه الملك الظاهر غازي, وجعل الأردن والكرك لأخيه الملك العادل (الأول) وجعل بعلبك لأخيه الملك, المعظم تورانشاه (الأول), وجعل اليمن لأخيه سيف الإسلام طغتكين وجعل حماة لابن أخيه الملك المظفر تقي الدين عمر بن نور الدين شاهنشاه, وجعل حمص لابن عمه ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه
ب- ثم ما لبث هؤلاء أن تنازعوا واختصموا, فحاول الملك العزيز عثمان أن يستخلص دمشق من أخيه الأفضل علي, وتمكن من ذلك سنة 591هـ وتملك دمشق وولى عليها عمه الملك العادل وولى أخاه عليا على صرخد .
جـ- وفي عام 595هـ يتوفى الملك العزيز عثمان فيخلفه ابنه الملك المنصور محمد وله من العمر عشر سنين ويتولى عمه الملك الأفضل رعايته والنيابة عنه.
د- وفي عام 596هـ يجهز الملك الأفضل جيشا ويتوجه به إلى دمشق لانتزاعها من عمه الملك العادل سيف الدين فيهزمه الملك العادل ويتوجه إلى مصر فيدخلها ويخلع الملك القاصر المنصور محمدا ويستولي على مصر ويولي عليها ابنه الملك ناصر الدين محمدا ويلقبه بالملك الكامل (الأول) ويجعله ولي عهده ويولي ابنه الآخر الملك المعظم عيسى على دمشق وهكذا تتحول السلطنة في مصر والشام من أبناء صلاح الدين إلى أخيه الملك العادل وأبنائه.
هـ- وفي عام 615هـ يتوفى الملك العادل فيخلفه ابنه الملك الكامل (الأول). وفي عام, 624هـ أراد الملك الكامل أن ينتزع دمشق من عمه الملك المعظم عيسى, فكتب إلى الملك فردريك الثاني ملك الألمان, يستنجده على عمه ويعده إن هو تسلم دمشق أن يسلمه القدس . وكان الملك فردريك آنئذ في قبرص مع حملة صليبية جهزها للقدوم إلى بلاد الشام واسترداد بيت المقدس من المسلمين, وقد أصابه من تأخره في تجهيزها حرمان من البابا. واستجاب فردريك لطلب الملك الكامل وقدم إلى مدينة (عكا) سنة 626هـ وكان الملك المعظم عيسى قد توفي قبيل قدومه وخلفه في دمشق ابنه الملك الناصر داود
ووجد الملك داود أن لا قبل له بحرب عمه ومعه الصليبيون, فتنازل له عن دمشق وعوضه الملك الكامل عنها بالكرك وصرخد والشوبك وولى الملك الكامل أخاه الملك الصالح إسماعيل على دمشق . وقد وفى الملك الكامل وعده بعد أن تسلم دمشق فسلم القدس إلى فردريك, فدخلها وتوج نفسه ملكا عليها في كنيسة القيامة وعاد إلى بلاده. وكان الملك الكامل قد عقد معه معاهدة صلح في (يافا) لمدة عشر سنوات, واشترط عليه بموجبها أن لا يعمر الصليبيون خرابها وأن لا يبنوا بها حصونا. وفي عام 637هـ تمكن الملك الناصر داود من الاستيلاء على القدس وإخراج الصليبيين منها لمخالفتهم شروط معاهدة (يافا) وكانت قد مضت عليها المدة المحددة فيها.
و- وفي عام 635هـ يتوفى الملك الكامل فيخلفه بعهد منه ابنه سيف الدين أبو بكر ويلقب بالملك العادل (الثاني) ويبلغ الخبر أخاه الملك الصالح نجم الدين أمير (آمد والرها وحران) فيرفض الاعتراف بأخيه ويتوجه إلى مصر ويجمع مماليك أبيه ويخلع أخاه ثم يقتله. ويبلغ الخبر الملك الصالح إسماعيل فينقم على ابن أخيه نجم الدين ويقبض على ابنه عمر - وكان في دمشق - ويعتقله بقلعة دمشق وفيها يموت.
ز- ويشتد النزاع بين الملك الصالح نجم الدين وبين عمه الملك الصالح إسماعيل ويتجهز كل منهما لقتال الآخر ويستنجد كلاهما بالصليبيين, فيلبي الصليبيون طلب الملك الصالح إسماعيل في مقابل استلامهم القدس وينضم إليه كل من الملك الناصر داود والملك المنصور إبراهيم بن شيركوه الثاني صاحب حمص . وفي المعركة الجارية قرب (غزة) حدث ما لم يكن بالحسبان. فقد انضم جند الملك الصالح إسماعيل إلى جند الملك الصالح نجم الدين وكانوا من الخوارزمية الذين هربوا من المغول وأنفوا أن يحاربوا مع الصليبيين, وانتهت المعركة بهزيمة منكرة للصليبيين وأسر الكثير منهم.
ح- وفي عام 643هـ تسلم الملك الصالح نجم الدين دمشق من عمه الملك الصالح إسماعيل وعوضه عنها ببعلبك وبصرى وأعمالهما. ويسترد الجند الخوارزمية - الذين انضموا إلى الملك الصالح نجم الدين - القدس في ذلك العام ويخرجون الصليبيين منها, وتعود القدس نهائيا إلى المسلمين, بعد أن تكرر احتلالها من الصليبيين أربع مرات: سنة 493 627, 637, , 643هـ.
ط- وفي سنة 647هـ يتوفى الملك الصالح نجم الدين أيوب أثناء الحملة الصليبية السابعة التي قادها الملك لويس التاسع ملك فرانسا سنة 646هـ وفيها يهزم الصليبيون ويؤسر الملك الفرنسي, ويخلف نجم الدين أيوب ابنه تورانشاه, وكان شابا فيه رعونة الشباب, فاختلف مع زوجة أبيه شجرة الدر ومع مماليك أبيه, فائتمرت مع أربعة منهم على قتله فقتلوه. ويقول ابن تغري بردي: (إن الذين قتلوا تورانشاه هم أنفسهم الذين كلفهم نجم الدين أيوب من قبل بقتل أخيه سيف الدين أبي بكر فكان موت ابنه مقدرا على أيديهم) وبقتل تورانشاه انقضى عهد الدولة الأيوبية وقامت من بعدها دولة المماليك (البحرية).
د- في دولة المماليك البحرية
أ- كان الملك نجم الدين أيوب قد تزوج جارية تركية تدعى شجرة الدر وأنجب منها ولدا سماه (خليلا) فكانت تدعى أم خليل وقد تسلطنت بعد مقتل ابن زوجها تورانشاه ثم تزوجت القائد المملوكي عز الدين أيبك وتنازلت له عن السلطنة فكان أول سلطان مملوكي يتولى السلطنة سنة 648هـ.
ب- في سنة 655هـ أقدمت شجرة الدر على قتل زوجها عز الدين أيبك لأنه بلغها أنه ينوي خطبة ابنة الأمير بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل واستعانت على قتله بمماليكها فقتلوه ضربا بالقباقيب, وبعد قتله عهد لابنه علي بخلافته فقبض عليها وأمر بقتلها ضربا بالقباقيب كما فعلت بأبيه.
جـ- وفي سنة 657هـ أقدم القائد المملوكي قطز على خلع علي بن عز الدين أيبك ونفيه من مصر مع أسرته, وولى القائد بيبرس البندقداري إمارة الجيوش. وكان المغول قد اجتاحوا بلاد الشام وتوجهوا يريدون مصر فتقدم قطز للقائهم بجيش يقوده بيبرس وجرى اللقاء في موضع يدعى (عين جالوت) وفيه كانت الموقعة الكبرى التي كتب فيها النصر لجيش المماليك بما أبدوا من شجاعة فائقة وما أبدى قائدهم بيبرس من مهارة في الحرب وقد تشتت جيش المغول وقتل قائده (كتبغانوين) وكان صهر هولاكو زعيم المغول.
د- في أعقاب تلك المعركة أقدم القائد بيبرس على اغتيال السلطان قطز, فقد كان وعده بأن يوليه على مملكة حلب بعد جلاء المغول عنها وأن يعهد له بالسلطنة من بعده فأخل السلطان بوعده فأقدم على اغتياله مع جماعة من القادة المماليك.
هـ- تولى بيبرس السلطنة وتلقب بالملك الظاهر ودامت سلطنته ثمانية عشر عاما قضى خلالها على الإمارات الأيوبية في بلاد الشام وضم بلاد الشام إلى مصر وأجلى الصليبيين عن مدن الساحل وحرر سنة 665هـ أنطاكية وغزا كليكيا الأرمنية وأخضعها لسلطانه, وفي سنة 676هـ غزا بلاد سلاجقة الروم, وكانت مشمولة بحماية المغول فحررها منهم بعد موقعة كبرى جرت في مكان يدعى (ألبستين) وفيها مزق جيشهم.
و- توفي الظاهر بيبرس سنة 676هـ في أعقاب معركة (ألبستين) فخلفه ابنه ناصر الدين محمد بركة وتلقب بالملك السعيد وعمره ثمانية عشر عاما, وبعد سنتين من سلطنته أقدم المماليك على خلعه لسوء تدبيره وولوا أخاه الأمير سلامش وعمره سبع سنين ولقبوه بالملك العادل بدر الدين وولوا القائد قلاوون نائبا عنه.
ز- لم يلبث قلاوون أن خلع بدر الدين سلامش سنة 678هـ وتولى السلطنة وتلقب بالملك المظفر سيف الدين وقد امتدت سلطنته أحد عشر عاما حرر خلالها ما تبقى في يد الصليبيين من قلاع وحصون في بلاد الشام ومنها مدينتا اللاذقية وطرابلس. وفي عام 689هـ يتوفى قلاوون فيخلفه ابنه خليل ويتلقب بصلاح الدين ويسترد من الصليبيين قلعة صفد ومدينة طرطوس ثم يستولي على عكا بعد معركة شديدة مع الصليبيين.
حـ- وفي عام 693هـ يقدم قائدان من قادة المماليك هما (بيدرا) و (لاجين) على اغتيال السلطان صلاح الدين خليل بن قلاوون وقيام (بيدرا) خلفا له, ولم يلبث هذا في السلطنة إلا يوما واحدا, إذ أقدم القائد (كتبغا) على قتله وقتل من اشترك في اغتيال السلطان صلاح الدين خليل واختار المماليك محمد بن قلاوون أخا خليل سلطانا فبايعوه ولقبوه بالناصر وله من العمر تسع سنين.
ط- لم يلبث (كتبغا) أن خلع محمد بن قلاوون متعللا بصغر سنه وتولى السلطنة. وقد حاول القائد (لاجين) اغتيال (كتبغا), ولما علم بذلك هرب إلى دمشق وخلع نفسه سنة 696هـ فتولى السلطنة (لاجين) وتلقب بالمنصور حسام الدين وبعد سنتين أي في عام 698هـ اغتيل وأعيد إلى السلطنة محمد بن قلاوون وقد بلغ من العمر أربعة عشر عاما.
ي- وفي سنة 708هـ يخلع محمد بن قلاوون ويتولى السلطنة قائد مملوكي يدعى بيبرس الجاشنكيري, ثم يخلع بعد سنة (709هـ) ويعاد إلى السلطنة محمد ابن قلاوون للمرة الثالثة وهو في الخامسة عشرة من عمره ويتوفى سنة 741هـ وقد امتدت سلطنته (31) عاما, فكان أطول ملوك المماليك عهدا وأعظمهم مهابة وأغزرهم عقلا وأحسنهم سياسة وأكثرهم شجاعة وأحسنهم تدبيرا وقد بلغت دولة المماليك في عهده ذروة ارتقائها ثم توالى عليها أبناؤه وأخذت شمسها في الكسوف.
ك- تولى السلطنة من بعد محمد بن قلاوون ثمانية من أبنائه, كان أولهم أبو بكر سيف الدين الملقب بالمنصور ولم يلبث سوى سنة واحدة وخلع سنة 742هـ وتولى السلطنة من بعده أخوه (كجك) وتلقب بالملك الأشرف علاء الدين وعمره خمس سنين وخلع بعد أقل من سنة وتولى السلطنة من بعده أخوه أحمد وتلقب بالملك الناصر شهاب الدين وبعد شهرين من سلطنته يخلعه أخوه إسماعيل ويقتله ويتلقب بالملك الصالح عماد الدين ويستمر إسماعيل في السلطنة ثلاث سنين يقتل بعدها سنة 746هـ
ويتولى السلطنة أخوه شعبان (الأول) ويتلقب بالملك الكامل سيف الدين وبعد سنة من سلطنته يخلع ويسجن ويقتل في سجنه ويتولى السلطنة من بعده أخوه (حاجي الأول) ويتلقب بالملك المظفر سيف الدين وبعد أقل من سنة يخلع ويقتل ذبحا ويولى أخوه الحسن سنة 748هـ ويتلقب بالملك الناصر ناصر الدين ويخلفه من بعده سنة 752هـ أخوه صالح ويتلقب بالملك الصالح صلاح الدين. وتمتد سلطنة المماليك البحرية من بعده إلى سنة 784هـ ثم تنتقل إلى المماليك البرجية وهم كالبحرية من المماليك الأتراك والجراكسة وتنتهي سلطنتهم بالفتح العثماني سنة 922هـ.
ألاسيف
08-28-2003, 02:47 PM
هـ- دولة المرابطين
بلغت دولة المرابطين منتهى علاها في عهد يوسف بن تاشفين وابنه علي (453 - 537 هـ) ثم أخذت مسيرة أحداثها في الانحدار. وقد تولى ملك المرابطين في آخر عهدهم ملكان لم يبلغا الحلم وهما: إبراهيم بن تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين وابن عمه إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين وقد بويع الأول سنة 540هـ بعد وفاة أبيه ولم يتمكن المرابطون في عهده من صد الموحدين في معركة انتهت بهزيمتهم والقبض على إبراهيم وقتله ومبايعة الثاني من بعده سنة 541هـ. فلما احتل الموحدون مراكش قتلوه وقتلوا معه من وجدوا من أمراء المرابطين وقضوا على دولتهم.
و- دولة الموحدين
بلغت هذه الدولة أوج قوتها في عهد ملكها أبي يوسف يعقوب ( 595 - 580هـ) وذلك بعد انتصاره على ألفونسو الثامن ملك قشتالة في وقعة (الأرك) سنة 591هـ. ثم أخذت في الانحدار في عهد ابنه محمد الناصر (595 - 611هـ) إثر هزيمة الموحدين أمام الإسبان في وقعة (العقاب) سنة 609هـ ثم هزيمتهم في وقعة (أبي دانس) سنة 614هـ في عهد ابنه يوسف المستنصر (611 - 620هـ).
وقد اشتد الوهن في الدولة بعد خلع عبد الواحد ابن يوسف الأول ابن يعقوب سنة 621هـ وتولية أبي محمد عبد الله ابن أخيه يعقوب المنصور وتلقيبه بالملك العادل ثم خلعه سنة 624هـ وقتله وتولية يحيى بن محمد الناصر وتلقيبه المعتصم بالله وازداد الوهن شدة حين رفض عمه أبو العلاء إدريس بن يعقوب المنصور الاعتراف ببيعته وبايعه أهل الأندلس وتلقب بالمأمون وانقسمت دولة الموحدين على نفسها: دولة في الأندلس ودولة في المغرب. وتوجه المأمون إلى المغرب لانتزاع الملك من ابن أخيه والانتقام ممن قتلوا أخاه الملك العادل واستعان بجيش من الإسبان وكانت أمه منهم وقد أمده به الملك الإسباني فرديناند الثالث ملك قشتالة لقاء شروط منها أن يعطيه عشرة حصون مما يلي إشبيلية وأن يبني لجنده الإسبان كنيسة في مراكش إذا دخلها وأن من أسلم من جنده لا يقبل إسلامه.
وقد تمكن المأمون من اقتحام مراكش فهزم ابن أخيه يحيى المعتصم بالله وقتل شيوخ الموحدين الذين بايعوه. ونفذ المأمون شروط الملك الإسباني فسلمه الحصون العشرة وبنى في مراكش كنيسة لجنده الإسبان. ولم يلبث أن ثار عليه أخوه أبو موسى عمران بن يعقوب أمير (سبتة) فتوجه لقتاله وحاصره, وفي غيابه بهذا الحصار عاد ابن أخيه يحيى ومعه جموع من العرب والبربر ودخلوا مراكش وعاد المأمون مسرعا ومات في الطريق سنة 630هـ وبويع من بعده عبد الواحد الرشيد واستمر النزاع بين الأعمام وأبنائهم إلى أن استولى على مراكش بنو مرين عام 668هـ في عهد آخر ملوك الموحدين أبي العلاء إدريس الواثق بالله الملقب بأبي دبوس وبه انقضت دولة الموحدين وقامت على أنقاضها دولة بني مرين.
ز- دول الشمال الإفريقي
بعد القضاء على دولة الموحدين التي كانت تسيطر على الشمال الإفريقي من تونس إلى مراكش قامت دول ثلاث: دولة بني مرين في المغرب الأقصى وعاصمتها مراكش ودولة بني زيان من بني عبد الواد في المغرب الأوسط (الجزائر) وعاصمتها (تلمسان) ودولة بني حفص في المغرب الأدنى (تونس) وعاصمتها مدينة تونس .
وقد أنهكتهم الحروب والثورات والفتن التي ثارت بينهم وشغلتهم عن نصرة إخوانهم في الأندلس فأسلمتهم للإسبان وكانوا هم عرضة لغزو الإسبان والنورمان حتى استولى العثمانيون على الجزائر سنة 962هـ ثم على تونس سنة 982هـ وقامت في مراكش دولة بني الحسن العلويين سنة 916هـ.
ألاسيف
08-28-2003, 02:48 PM
3- الانصراف إلى اللهو والمجون إلى تلك الأسباب التي أدت إلى تشتت الدولة الإسلامية وانقسامها إلى دول ثم تسارع انهيارها وتعرضها لغزو أتاها من المشرق والمغرب, يضاف سبب آخر أتاها من سوء سلوك بعض الحاكمين وانصرافهم إلى اللهو والمجون, وغالبا ما يكون هؤلاء ممن تولوا الملك صبيانا يولى عليهم نواب يعملون على إشغالهم باللهو ويصرفونهم عن شئون الحكم ليستقلوا به من دونهم, فإذا بلغ الصبي سن الشباب تفتحت غرائزه, فأخذ يعب من شهواته, تاركا أمور الدولة لوزرائه ونوابه والأمثلة على ذلك كثيرة ونحن نورد طرفا منها.
فقد روي ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة (أن المستنصر الفاطمي خلف أباه الظاهر وعمره سبع سنين ونشأ على حب اللهو والمجون. ولما شب كان أمره قد اضمحل لتشاغله باللهو والشراب والطرب وكان من عادته في كل سنة أن يركب على النجب (النفيس من الإبل) إلى مكان قريب من القاهرة يدعى (جب عميرة) وهو موضع نزهة فيخرج إليه بهيئة أنه خارج إلى الحج على سبيل الهزء والمجانة ومعه الخمر في الروايا (الأواني) عوضا عن الماء ويسقيه للناس كما يسقى الحاج في طريق مكة) .
فماذا نقول في خليفة توالى القحط على بلاده سبع سنين حتى أكل الناس الموتى ولحوم الأطفال يفعل ما روي عنه ويهزأ بركن من أركان الدين, ونراه في الستين سنة التي قضاها في خلافته قد استكان لسلطان وزيره بدر الجمالي وليس له من الأمر شيء. كذلك يروي ابن تغري بردي: (إن الملك المسعود يوسف صلاح الدين الثاني, المعروف باسم (أتسز) ابن الملك الكامل الأيوبي كان قد ولاه أبوه على ابن سنة 611 هـ فاستولى على مكة سنة 619هـ فكان ينام في دار المسعى سكران ويخرج أعوانه يمنعون الناس من الصياح والضجيج في المسعى)
ثم إليك ما يرويه ابن الأثير عن جلال الدين منكبرتي آخر ملوك خوارزم (فقد كان هذا الملك يهوى خادما خصيا له يدعى (قليج) فاتفق أن مات الخادم, فأظهر الملك من الحزن والهلع والجزع عليه ما لم يسمع بمثله ولا لمجنون ليلى, وأمر الجند والأمراء أن يمشوا في جنازته رجالة وكان موته في موضع يبعد عن (تبريز) - عاصمة الدولة - عدة فراسخ, فمشى خلف جنازته راجلا فألزمه أمراؤه بالركوب, فلما وصل إلى (تبريز) أرسل إلى أهل البلد فأمرهم بالخروج لتلقي تابوت الخادم, ففعلوا, وأنكر عليهم أنهم لم يظهروا من الحزن والبكاء أكثر مما فعلوا وأراد معاقبتهم على ذلك فشفع فيهم أمراؤه فتركهم.
ثم إنه لم يدفن الخادم وإنما أخذ يستصحبه معه حيث سار وهو يلطم ويبكي, وامتنع من الأكل والشرب, فإذا قدم إليه طعام قال: احملوه إلى فلان, يعني الخادم ولا يتجاسر أحد أن يقول إنه مات, فإذا قيل إنه مات قتل القائل, فكانوا يحملون إليه الطعام ويقولون للملك: إنه يقبل الأرض ويقول الآن أنا أصلح مما كنت. ثم انفض عنه أمراؤه فبقي حيران لا يدري ما يصنع وراسل وزيره واستماله فلما حضر إليه قتله) .
وهناك خبر عن الملك الناصر صلاح الدين الثاني ابن العزيز محمد ابن الملك الظاهر غازي صاحب حلب . فقد تولى الملك وعمره سبع سنين وشب على حب اللهو تاركا أمور الدولة إلى وزرائه. ولما اجتاح المغول حلب سنة 657هـ غادرها إلى دمشق .
ويروي صاحب نفح الطيب أن الأديب الأندلسي موسى العنسي (ت: 685هـ) لما رحل إلى المشرق, قدم إلى دمشق وفيها الناصر صلاح الدين, وكان المغول قد أمعنوا في حلب قتلا وسبيا وتخريبا, فدخل على الناصر صلاح الدين يعزيه على ما فعله المغول بمدينة حلب وما حل بها من المصائب والمحن, فأضرب الناصر عن سماع ذلك وأنشد أبياتا في مملوك له يهواه قتل في تلك الكارثة فقال:
والله لا أبكي لملك مضى
ولا لحال ظاعن أو مقيم
وإنما أبكي وقد حلي
لفقد ما كنت به في نعيم
يطلع بدرا, ينثني بانة
يمر فيما رمته كالنسيم
في خاطري أبصره خاطرا
فألتوي مثل التواء السقيم
يا عاذلي دعني وما حل بي
فما سوى الله بحالي عليم
إن مت من حزن له أسترح
وإن أعش عشت بهم عظيم
فهو لا يبكي لفقد ملكه وإنما يبكي لفقد حبيبه. ثم نراه بعد ذلك هائما على وجهه حتى لجأ إلى هولاكو ملك المغول ومعه أخوه الملك الظاهر سيف الدين غازي (الثاني) وأمراء آخرون من البيت الأيوبي فأحسن هولاكو إليهم ولما بلغه هزيمة المغول في (عين جالوت) سنة 658هـ قتله وقتل من كان معه من الأمراء .
كذلك يروي ابن طباطبا في كتابه تاريخ الدول الإسلامية أن الخليفة المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس في بغداد كان شديد الكلف باللهو وسماع الأغاني, لا يكاد مجلسه يخلو من ذلك ساعة واحدة, وكان ندماؤه وحاشيته جميعهم منهمكين معه على التنعم بالملذات, لا يراعون له صلاحا. وقد كتبت له الرقاع من العوام, وفيها أنواع التحذير وألقيت الأشعار في أبواب دار الخلافة ومنها أبيات ألقيت إليه حين داهم هولاكو العراق:
قل للخليفة مهـل
أتاك ما لا تحب
ها قد دهتك فنون
من المصائب غرب
فانهض بعزم وإلا
غشاك ويل وحرب
كسر وهتك وأسر
ضرب ونهب وسلب
كل ذلك وهو عاكف على سماع الأغاني وملكه قد أصبح واهي المباني. ومما اشتهر عنه أنه كتب إلى الأمير بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يطلب منه جماعة من أهل الطرب, وفي تلك الحال وصل رسول هولاكو يطلب من بدر الدين منجنيقات وآلات حصار لحصار بغداد فقال بدر الدين: انظروا إلى المطلوبين وابكوا على الإسلام .
وإذا عرجنا على دولة المماليك نجد منهم من شغف بالجواري وتخلى عن أمور الدولة إلى نوابه كالملك الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون. فقد شغفه حب الجواري فأسرن قلبه وكانت لهن الكلمة العليا في الدولة وأعرض عن تدبير الملك بإقباله على النساء والطرب, وكان يؤثر الجواري السود, وحظيت بحبه جارية سوداء تدعى (اتفاق) تحسن الضرب على العود وتجيد الغناء فتزوجها وكان أخوه الملك شعبان يهواها, فلما مات الصالح إسماعيل سنة 746هـ خلفه عليها أخوه ودخل بها ليلة وفاته.
ولما خلع الملك الكامل شعبان ثم قتل سنة 747هـ خلفه أخوه الملك المظفر (حاجي) فتزوج بها ليلة خلع أخيه فغنته فأنعم عليها بأربعة فصوص وست لؤلؤات ثمنها أربعة آلاف دينار, وهذا ثالث سلطان من أبناء محمد بن قلاوون يتزوج بهذه الجارية السوداء وفي كل مرة كان يعقد العقد لها على أخ من الإخوة الثلاث قاض مع علمه بأن العقد باطل لتجاوز العدة المفروضة على زوجة المتوفى. وقد نالت هذه الجارية عند الإخوة الثلاثة من الحظ والسعادة ما لا يعرف لامرأة في زمانها .
محمد الجرايحى
08-30-2003, 08:46 AM
أخى :الأسيف
انه جهد رائع..ومتميز
يعطيك العافية
أمل عمري
09-11-2003, 05:51 AM
تسلم اخوي على مجهودك الواضح
بالتوفيق
vBulletin v3.6.8, Copyright ©2000-2008,, TranZ by Almuhajir