جمال الدين
01-15-2007, 07:42 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
:. قتلة سيد الشهداء سلام الله عليه
ورد في كتاب كامل الزيارات(أحد المصادر المعتبرة والقيّمة لدى الشيعة) أن كلّ من شارك في قتل الإمام سيد الشهداء سلام الله عليه ابتلي بأحد الأمراض الثلاثة: الجنون والجذام والبرص(6).
وتقول الرواية أيضاً بأنّ هذه الأمراض قد انتقلت إلى ذرياتهم من بعدهم، على الرغم من أنّهم لا علاقة لهم بجريرة آبائهم، إلا أنّ هذا هو الذي حصل بالفعل، وكان ذلك من عواقب قتل الإمام الحسين سلام الله عليه، فكما السكّير تمتد آثار عمله إلى نسله، فكذلك الحال مع الفاسد، وهذه مسألة تكوينية.
كما نقرأ في (كامل الزيارات) أيضاً: أنّ قتلة الإمام الحسين سلام الله عليه قد قُتلوا جميعاً، ولم يمت أيّ منهم ميتة طبيعية. في هذا السياق يقول الإمام محمد الباقر سلام الله عليه: «والله لقد قُتل قتلة الحسين سلام الله عليه ولم يُطلب بدمه بعد»(7)، والله تعالى لم يرض بعد، لأنّ للإمام الحسين سلام الله عليه مكانة في أعالي الذرى، والانتقام الذي حلّ بهم وهو القتل ليس كافياً البتّة، وهذا ما يقرّ به الشيعي والسنّي والمسيحي... على السواء.
:. تفاخر الكعبة ومكانة كربلاء
نسب ربّ العزّةِ الكعبةَ إليه فسُمّيت بيتَ الله الحرام، وهو تقديس لمكانتها وتشريف لمنزلتها؛ وذلك لأن ليس لله سبحانه بيت بعينه فهو غنّي عن المكان. لهذا، رفع هذه البقعة من أعماق الأرض إلى قمة السماء، وشرّفها بنسبها إليه عزّ وجلّ.
هذه الكعبة المشرّفة التي كرّمها الله، وأمر الحجيج أن يخلعوا لباسهم عند مشارفها، وأن يدخلوها مُحْرمين، تاركين بعض اللذائد الدنيوية المباحة، هذه الكعبة تفاخرت(8) فيما مضى على البقاع الأخرى، كما جاء عن الإمام الصادق سلام الله عليه حيث قال: «إن أرض الكعبة قالت: من مثلي و قد بنى الله بيته على ظهري ويأتيني الناس من كلّ فج عميق وجُعلت حرم الله وأمنه! فأوحى الله إليها أن كفّي وقرّي، فوعزّتي وجلالي ما فضل ما فضِّلت به فيما أعطيتُ به أرض كربلاء إلا بمنزلة الإبرة غمست في البحر فحملت من ماء البحر! ولولا تربة كربلاء ما فضّلتك، ولولا ما تضمنته أرض كربلاء لما خلقتك ولا خلقت البيت الذي افتخرت به؛ فقرّي واستقري...»(9).
لقد اتخذ الله تعالى الكعبة المشرّفة بيتاً له، فماذا عن كربلاء؟ وأيّ ميزة تمتاز بها؟ لمعرفة ذلك اقرأ ما جاء عن الإمام الصادق سلام الله عليه حيث قال: «وإن أرض كربلاء وماء الفرات أول أرض وأول ماء قدّس الله تبارك وتعالى، فبارك الله عليهما فقال لها: تكلّمي بما فضّلك الله تعالى؛ فقد تفاخرت الأرضون والمياه بعضها على بعض. قالت: أنا أرض الله المقدسة المباركة، الشفاء في تربتي ومائي ولا فخر بل خاضعة ذليلة لمن فعل بي ذلك ولا فخر على من دوني بل شكراً لله فأكرمها وزادها لتواضعها»(10).
هنا نريد أن نسبر أعماق «من مثلي» للكعبة المشرفة و «لا فخر على من دوني بل شكراً لله» لكربلاء المقدسة، وقد ذكر هذا الأمر للتأكيد عملياً على أنّنا لا نملك خيراً من أنفسنا إلا ما حبانا الله به، وما نبذله من جهد إن هو إلا توفيق ولطف من الله جلّ وعلا.
فإن وُفّقنا لإقامة مجالس العزاء الحسينية، وأسدينا خدمة لسيد الشهداء سلام الله عليه، وتحمّلنا العناء والمشقّة في هذا السبيل، وكان لنا شرف المشاركة في هذه المآتم نقول: الحمد لله الذي وفّقنا لهذا، الحمد لله الذي أكرمنا لنستظلّ بمظلّة الإمام الحسين سلام الله عليه، إن هو إلا توفيق من عند الله لنتشرّف بخدمة الإمام سلام الله عليه.
:. عطاءات عاشوراء
في الواقع، إنّ جلّ ما نملك من مُثُل وقيم هو من بركات تضحيات سيد الشهداء سلام الله عليه. فعاشوراء هي التي غرست في أعماقنا مبادئ الإنسانية والعبودية لله عزّ وجلّ والإيثار وخدمة الآخرين والعطف على المستخدمين والدفاع عن المظلومين، ولأجل هذا كلّه يجب أن نبقي على جذوة ملحمة عاشوراء متّقدة على الدوام، وأن نبذل مهجنا دونها، لنضمن الرفعة والشموخ لنا وللأجيال من بعدنا. إننا ننفق في حياتنا اليومية الكثير من الأموال في مختلف الشؤون، وكذلك نصرف الكثير من الجهد والوقت مع الأولاد والزوجة وفي البيت والعمل والتجارة وما إلى ذلك، ولكن لنعلم أن ما ينفق ويبذل في سبيل الإمام الحسين سلام الله عليه هو الأفضل حيث يحظى بمكانة أرفع وقيمة أكثر، ولنعلم أيضاً بأنّ أي خطوة نخطوها في خدمة أهل البيت سلام الله عليهم، سنثاب عليها من قبلهم بأفضل الثواب.
:. ثواب ذكر الحسين سلام الله عليه
كان هناك عالمان جليلان، رهن أحدهما عمره في خدمة مجالس عزاء سيد الشهداء سلام الله عليه، ولم يتوان عن بذل أي خدمة بماله أو بلسانه... في هذا السبيل، أمّا الآخر فلم يكن يعر أهمية تذكر لهذه القضية. والآن، وبعد مضي سنوات على وفاتهما، كان الثواب الذي ناله الأول هو أنّ الله قد وفّق أبناءه وأحفاده فجعل منهم المؤلف والعالم والمدرس والمرجع الديني، منتشرين في أصقاع الأرض يحيون ذكرى والدهم، في حين لم يبق من الثاني أي أثر يخلّده، وهذا بالتأكيد نتيجة تعظيم الأول لمسألة التفاني والإخلاص لسيد الشهداء سلام الله عليه، وعدم اكتراث الثاني لهذه المسألة، وهنا يتبيّن بأنّ أي خدمة تقدّم لمواكب العزاء الحسينية لن تذهب سدى أبداً.
وهنا استعرض مثالاً آخر من آلاف الأمثلة التي توضّح ثواب أهل البيت سلام الله عليهم لخدّام المسيرة الحسينية، وقد يحمل كل واحد منكم أيضاً في ذاكرته أمثلة أخرى عن بركات وألطاف البيت النبوي قد لمسها في بعض أقربائه.
يروى أنّه كان هناك شخصان يعيشان في أحد البلدان، أحدهما بائع بسيط بدخل متواضع، والآخر هو من أغنياء المدينة وأعيانها، وكلاهما رحل عن هذه الدنيا. كان البائع البسيط يكدّ ويشقى من الصباح حتى المساء لتأمين رزقه، وعندما كان يعود إلى بيته كان يأخذ ثلث دخله اليومي ويقول هذا سهم الإمام الحسين سلام الله عليه، وكان يدفع عن المبلغ المتبقّي (الثلثين الآخرين) فريضة الخمس إن فاض عنه شيء، فكان يجمع المال باسم الإمام الحسين سلام الله عليه ويبتاع به أراضي خارج المدينة، وكان الناس يقولون له: «لماذا تشتري أرضاً في البراري، حيث لا ماء ولا عمران؟»، وكان يجيبهم: «ليس لديّ المال الكافي لشراء أراضٍ في المدينة، وقد اشتريت هذه الأراضي على أمل أن يبنى في موضعها حسينية». واليوم، أصبحت تلك القفار مدينة عامرة، تقع في مركزها تلك الأرض التي تحوّلت إلى حسينية كبيرة تقام فيها أغلب أيام السنة مراسيم العزاء على سيد الشهداء سلام الله عليه بالإضافة إلى مراسيم أخرى. وقد قال ابن ذلك الكاسب خلال رحلة له إلى إيران قبل فترة، بأنّ أهل البلد الذي تقع فيه تلك الحسينية عرضوا عليه شراء تلك الحسينية مقابل مبلغ 5 مليارات تومان وذلك لتحويله إلى مبنى عام، لكنه رفض وقال: «هذا المكان وقف، وهو بالتالي ليس لنا، هو للإمام الحسين سلام الله عليه».
إن خدمات ذلك الكاسب في الدنيا محفوظة له، والمراسيم التي كانت تقام في تلك الحسينية حيّت ذكره، هذا بالإضافة إلى الثواب الأخروي الذي ينتظره.
من ناحية أخرى، لم أسمع أن أوقف ذلك الثري شبراً واحداً من أملاكه للإمام الحسين سلام الله عليه، وقد اقتسم ورثته من بعده أمواله، ولم يبق منه أي شيء يحيي اسمه من بعده.
ومن هذا المنطلق، تعتبر قضية الإمام الحسين سلام الله عليه قضية تكوينية، بمعنى أنّه من قدّم خدمة خالصة للإمام سلام الله عليه، سيثاب عليها في الدنيا قبل الآخرة.
:. عاقبة محاربة المواكب الحسينية
كما أنّ لخدمة المواكب الحسينية ثواباً وأجراً جزيلاً، كذلك فإن التصدي لهذه المواكب ومحاربتها ستكون لهما عاقبة سيئة. ومن يضع العراقيل في طريق المواكب الحسينية عامداً أو جاهلاً، سيلقى جزاءه في دار الدنيا قبل الآخرة. على سبيل المثال، الذي يشرب السمّ ظنّاً منه أنه دواء سيموت لا محالة، وكذلك الحال مع من يحارب الإمام الحسين سلام الله عليه. بالطبع، إنّ الثواب الحقيقي للأعمال هو في يوم الحساب، لكن المسيء للإمام الحسين سلام الله عليه سيدفع ثمن ذلك في الدنيا أيضاً قبل وصوله الدار الآخرة.
مسألة أخرى يجب الالتفات إليها ألا وهي السعادة والنعمة التي يهبهما الله تبارك وتعالى لعباده مقابل تقديم الخدمة في المواكب الحسينية، لذا علينا أن نغتنم هذه النعم كبقية النعم الإلهية الأخرى قبل أن نندم على التفريط بها، ولات ساعة مندم، ولا مجال حينذاك للعودة إلى الدنيا للتعويض عمّا فات.
كما علينا أن نعلم بأنّنا إذا كنّا قد وُفّقنا لإحياء مجالس العزاء الحسينية، فالفضل في ذلك كلّه يعود لآبائنا وأجدادنا وأسلافنا. لذلك، علينا أن نتذكّرهم دائماً، وأن نعلم بأنّنا نحن أيضاً سنترك تأثيراً على أجيالنا وذلك بحسب هممنا وعزائمنا في خدمة سيد الشهداء سلام الله عليه.
:. ثواب الحزن على أهل البيت سلام الله عليهم
من المناسب أن نقيّم أعمالنا ونرى ما لمجالس العزاء والحزن على مصاب أهل البيت سلام الله عليهم من ثواب من خلال ما ورد في ذلك عن الإمام المعصوم سلام الله عليه، ففي رواية عن الإمام جعفر الصادق سلام الله عليه أنّه قال: «نَفَسُ المَهموم لِظُلْمِنا تَسْبيحٌ، وَهَمّهُ لَنا عِبادَة»(11).
إنّكم تحملون في داخلكم همّاً عظيماً بسبب ما لحق الإمام الحسين سلام الله عليه من ظلم وإجحاف، إذن أنفاسكم كلها تسبيح تسجّلها الملائكة لكم في صحيفة أعمالكم، ففي كل نفس يكتب لكم قول سبحان الله. كما أنّ حزنكم عبادة لكم، وبالإضافة لهذين الثوابين هناك ثواب عظيم آخر لكم هو خدمتكم في هذا الطريق.
لذا، فمن يتحمّل مشاقَّ وأعباءً أكثر ويضع راحته وسهره في خدمة الإمام الحسين سلام الله عليه، بطبيعة الحال له أجرٌ أعظم، وأحد أوضح الأمثلة على ذلك ما رُئي لاثنين من الفقهاء الأفاضل في المنام (12)، أحدهما الشيخ الأنصاري(رحمه الله) الذي تنهل الحوزات العلمية الدينية منذ 150 عاماً من علمه، والآخر الشيخ الدربندي(رحمه الله). هذان العالمان كانا زميلي دراسة في مرحلة الشباب، وكانا من تلامذة المرحوم شريف العلماء المازندراني (ره)، وأصبح كلاهما فيما بعد مرجعين للتقليد، وفي ذلك الوقت كان الشيخ الأنصاري هو المرجع العام للشيعة، والدربندي له مرجعية محدودة. ذات يوم عزم أحد طلاب الشيخ الأنصاري ـ وكان طالباً مجدّاً يحمل صفات العلم والورع ـ على السفر إلى إيران، فقام الشيخ الأنصاري بوداعه حتى مشارف المدينة مشياً على الأقدام، ثم رجع. كان ذلك الطالب يعتزم السفر إلى مدينة كربلاء ثم الكاظمية وسامراء ليعود بعدها إلى إيران، لكنّه في اليوم التالي لم يذهب إلى كربلاء، ورجع من وسط الطريق. وعندما رأى الشيخ الأنصاري تلميذه في النجف الأشرف سأله: «لماذا عدت؟». أجابه: «ليلة أمس غلبني النوم وأنا في الطريق في جوف الصحراء، فرأيت ملكاً في منامي يقول لي: إلى أين أنت ذاهب في هذه الصحراء، إنّك راحل عن هذه الدنيا بعد ثلاثة أيّام. وهذا القصر لك (وأشار الملك إلى قصر) ولم أكن أعلم على وجه اليقين إن كانت هذه رؤيا صادقة أم لا، فقفلت راجعاً إلى النجف، لأكون عند أمير المؤمنين سلام الله عليه وليس في الصحراء فيما لو تحقّقت الرؤيا، وإذا لم تتحقّق أواصل رحلتي من جديد. وبالفعل، تحقّقت الرؤيا وتوفّي الرجل بعد ثلاثة أيّام كما وُعد بذلك. يروي هذا الشخص نفسه ـ قبل وفاته ـ للشيخ الأنصاري بأنّه قد رأى في ذلك المنام أيضاً قصراً شامخاً فسأل: لمن هذا القصر؟ قيل له: «إنّه للشيخ الأنصاري»، وفي ناحية مجاورة من ذلك القصر رأى قصراً آخر أفخم من القصر الأول فسأل: وهذا لمن؟ قيل له: «هذا قصر الشيخ الدربندي». في ذلك الوقت كان الشيخان لا يزالان على قيد الحياة، كان الشيخ الأنصاري في النجف الأشرف، والشيخ الدربندي في كربلاء المقدسة. وبالإضافة إلى كون هذا الأخير مرجعاً دينياً، كان خطيباً يعتلي المنابر الحسينية وكان له منبر خاص في كل عام، حيث نُقل لي بعض من قصصه تلك بواسطتين عمّن حضر مجلسه، وكانت مجالسه تقام في الصحن الشريف في ظهيرة يوم عاشوراء من كل عام بعد انتهاء المجالس الأخرى حيث كانت تعجّ بجماهير غفيرة، وأحياناً كان يتحدث قبل ساعة من موعده، ويقول أحياناً: «لا أريد أن أقيم مجلس ندب ونواح فقد سمعتم منها ما يكفي طيلة الليل وحتى الظهيرة، لكنّني أريد أن أوجّه بضع كلمات باسمكم إلى الإمام الحسين سلام الله عليه...» وكان مجلساً مميّزاً حقّاً. كما دوّن المرحوم الدربندي كتاباً مسهباً عن الإمام الحسين سلام الله عليه يحمل عنوان «إكسير العبادات». كان المتحدّث(تلميذ الشيخ الأنصاري) يعرف الشيخين جيداً، ويعلم أنّ مرجعية الشيخ الدربندي لا تضاهي مرجعية الأنصاري، لذلك أثارت فخامة قصر الشيخ الدربندي في تلك الرؤيا السؤال في نفس تلميذ الشيخ الأنصاري ليسأل الملك عن سبب ذلك، لأنّه من المتوقع أن يكون قصر الشيخ الأنصاري أكثر فخامة وعظمة، فأجابه المَلَك قائلاً: «هذا ليس جزاء أعمال الدربندي، بل هو هدية له من قِبل الإمام الحسين سلام الله عليه».
تقبلوا تحياتي انا اخوكم جمال الدين
:. قتلة سيد الشهداء سلام الله عليه
ورد في كتاب كامل الزيارات(أحد المصادر المعتبرة والقيّمة لدى الشيعة) أن كلّ من شارك في قتل الإمام سيد الشهداء سلام الله عليه ابتلي بأحد الأمراض الثلاثة: الجنون والجذام والبرص(6).
وتقول الرواية أيضاً بأنّ هذه الأمراض قد انتقلت إلى ذرياتهم من بعدهم، على الرغم من أنّهم لا علاقة لهم بجريرة آبائهم، إلا أنّ هذا هو الذي حصل بالفعل، وكان ذلك من عواقب قتل الإمام الحسين سلام الله عليه، فكما السكّير تمتد آثار عمله إلى نسله، فكذلك الحال مع الفاسد، وهذه مسألة تكوينية.
كما نقرأ في (كامل الزيارات) أيضاً: أنّ قتلة الإمام الحسين سلام الله عليه قد قُتلوا جميعاً، ولم يمت أيّ منهم ميتة طبيعية. في هذا السياق يقول الإمام محمد الباقر سلام الله عليه: «والله لقد قُتل قتلة الحسين سلام الله عليه ولم يُطلب بدمه بعد»(7)، والله تعالى لم يرض بعد، لأنّ للإمام الحسين سلام الله عليه مكانة في أعالي الذرى، والانتقام الذي حلّ بهم وهو القتل ليس كافياً البتّة، وهذا ما يقرّ به الشيعي والسنّي والمسيحي... على السواء.
:. تفاخر الكعبة ومكانة كربلاء
نسب ربّ العزّةِ الكعبةَ إليه فسُمّيت بيتَ الله الحرام، وهو تقديس لمكانتها وتشريف لمنزلتها؛ وذلك لأن ليس لله سبحانه بيت بعينه فهو غنّي عن المكان. لهذا، رفع هذه البقعة من أعماق الأرض إلى قمة السماء، وشرّفها بنسبها إليه عزّ وجلّ.
هذه الكعبة المشرّفة التي كرّمها الله، وأمر الحجيج أن يخلعوا لباسهم عند مشارفها، وأن يدخلوها مُحْرمين، تاركين بعض اللذائد الدنيوية المباحة، هذه الكعبة تفاخرت(8) فيما مضى على البقاع الأخرى، كما جاء عن الإمام الصادق سلام الله عليه حيث قال: «إن أرض الكعبة قالت: من مثلي و قد بنى الله بيته على ظهري ويأتيني الناس من كلّ فج عميق وجُعلت حرم الله وأمنه! فأوحى الله إليها أن كفّي وقرّي، فوعزّتي وجلالي ما فضل ما فضِّلت به فيما أعطيتُ به أرض كربلاء إلا بمنزلة الإبرة غمست في البحر فحملت من ماء البحر! ولولا تربة كربلاء ما فضّلتك، ولولا ما تضمنته أرض كربلاء لما خلقتك ولا خلقت البيت الذي افتخرت به؛ فقرّي واستقري...»(9).
لقد اتخذ الله تعالى الكعبة المشرّفة بيتاً له، فماذا عن كربلاء؟ وأيّ ميزة تمتاز بها؟ لمعرفة ذلك اقرأ ما جاء عن الإمام الصادق سلام الله عليه حيث قال: «وإن أرض كربلاء وماء الفرات أول أرض وأول ماء قدّس الله تبارك وتعالى، فبارك الله عليهما فقال لها: تكلّمي بما فضّلك الله تعالى؛ فقد تفاخرت الأرضون والمياه بعضها على بعض. قالت: أنا أرض الله المقدسة المباركة، الشفاء في تربتي ومائي ولا فخر بل خاضعة ذليلة لمن فعل بي ذلك ولا فخر على من دوني بل شكراً لله فأكرمها وزادها لتواضعها»(10).
هنا نريد أن نسبر أعماق «من مثلي» للكعبة المشرفة و «لا فخر على من دوني بل شكراً لله» لكربلاء المقدسة، وقد ذكر هذا الأمر للتأكيد عملياً على أنّنا لا نملك خيراً من أنفسنا إلا ما حبانا الله به، وما نبذله من جهد إن هو إلا توفيق ولطف من الله جلّ وعلا.
فإن وُفّقنا لإقامة مجالس العزاء الحسينية، وأسدينا خدمة لسيد الشهداء سلام الله عليه، وتحمّلنا العناء والمشقّة في هذا السبيل، وكان لنا شرف المشاركة في هذه المآتم نقول: الحمد لله الذي وفّقنا لهذا، الحمد لله الذي أكرمنا لنستظلّ بمظلّة الإمام الحسين سلام الله عليه، إن هو إلا توفيق من عند الله لنتشرّف بخدمة الإمام سلام الله عليه.
:. عطاءات عاشوراء
في الواقع، إنّ جلّ ما نملك من مُثُل وقيم هو من بركات تضحيات سيد الشهداء سلام الله عليه. فعاشوراء هي التي غرست في أعماقنا مبادئ الإنسانية والعبودية لله عزّ وجلّ والإيثار وخدمة الآخرين والعطف على المستخدمين والدفاع عن المظلومين، ولأجل هذا كلّه يجب أن نبقي على جذوة ملحمة عاشوراء متّقدة على الدوام، وأن نبذل مهجنا دونها، لنضمن الرفعة والشموخ لنا وللأجيال من بعدنا. إننا ننفق في حياتنا اليومية الكثير من الأموال في مختلف الشؤون، وكذلك نصرف الكثير من الجهد والوقت مع الأولاد والزوجة وفي البيت والعمل والتجارة وما إلى ذلك، ولكن لنعلم أن ما ينفق ويبذل في سبيل الإمام الحسين سلام الله عليه هو الأفضل حيث يحظى بمكانة أرفع وقيمة أكثر، ولنعلم أيضاً بأنّ أي خطوة نخطوها في خدمة أهل البيت سلام الله عليهم، سنثاب عليها من قبلهم بأفضل الثواب.
:. ثواب ذكر الحسين سلام الله عليه
كان هناك عالمان جليلان، رهن أحدهما عمره في خدمة مجالس عزاء سيد الشهداء سلام الله عليه، ولم يتوان عن بذل أي خدمة بماله أو بلسانه... في هذا السبيل، أمّا الآخر فلم يكن يعر أهمية تذكر لهذه القضية. والآن، وبعد مضي سنوات على وفاتهما، كان الثواب الذي ناله الأول هو أنّ الله قد وفّق أبناءه وأحفاده فجعل منهم المؤلف والعالم والمدرس والمرجع الديني، منتشرين في أصقاع الأرض يحيون ذكرى والدهم، في حين لم يبق من الثاني أي أثر يخلّده، وهذا بالتأكيد نتيجة تعظيم الأول لمسألة التفاني والإخلاص لسيد الشهداء سلام الله عليه، وعدم اكتراث الثاني لهذه المسألة، وهنا يتبيّن بأنّ أي خدمة تقدّم لمواكب العزاء الحسينية لن تذهب سدى أبداً.
وهنا استعرض مثالاً آخر من آلاف الأمثلة التي توضّح ثواب أهل البيت سلام الله عليهم لخدّام المسيرة الحسينية، وقد يحمل كل واحد منكم أيضاً في ذاكرته أمثلة أخرى عن بركات وألطاف البيت النبوي قد لمسها في بعض أقربائه.
يروى أنّه كان هناك شخصان يعيشان في أحد البلدان، أحدهما بائع بسيط بدخل متواضع، والآخر هو من أغنياء المدينة وأعيانها، وكلاهما رحل عن هذه الدنيا. كان البائع البسيط يكدّ ويشقى من الصباح حتى المساء لتأمين رزقه، وعندما كان يعود إلى بيته كان يأخذ ثلث دخله اليومي ويقول هذا سهم الإمام الحسين سلام الله عليه، وكان يدفع عن المبلغ المتبقّي (الثلثين الآخرين) فريضة الخمس إن فاض عنه شيء، فكان يجمع المال باسم الإمام الحسين سلام الله عليه ويبتاع به أراضي خارج المدينة، وكان الناس يقولون له: «لماذا تشتري أرضاً في البراري، حيث لا ماء ولا عمران؟»، وكان يجيبهم: «ليس لديّ المال الكافي لشراء أراضٍ في المدينة، وقد اشتريت هذه الأراضي على أمل أن يبنى في موضعها حسينية». واليوم، أصبحت تلك القفار مدينة عامرة، تقع في مركزها تلك الأرض التي تحوّلت إلى حسينية كبيرة تقام فيها أغلب أيام السنة مراسيم العزاء على سيد الشهداء سلام الله عليه بالإضافة إلى مراسيم أخرى. وقد قال ابن ذلك الكاسب خلال رحلة له إلى إيران قبل فترة، بأنّ أهل البلد الذي تقع فيه تلك الحسينية عرضوا عليه شراء تلك الحسينية مقابل مبلغ 5 مليارات تومان وذلك لتحويله إلى مبنى عام، لكنه رفض وقال: «هذا المكان وقف، وهو بالتالي ليس لنا، هو للإمام الحسين سلام الله عليه».
إن خدمات ذلك الكاسب في الدنيا محفوظة له، والمراسيم التي كانت تقام في تلك الحسينية حيّت ذكره، هذا بالإضافة إلى الثواب الأخروي الذي ينتظره.
من ناحية أخرى، لم أسمع أن أوقف ذلك الثري شبراً واحداً من أملاكه للإمام الحسين سلام الله عليه، وقد اقتسم ورثته من بعده أمواله، ولم يبق منه أي شيء يحيي اسمه من بعده.
ومن هذا المنطلق، تعتبر قضية الإمام الحسين سلام الله عليه قضية تكوينية، بمعنى أنّه من قدّم خدمة خالصة للإمام سلام الله عليه، سيثاب عليها في الدنيا قبل الآخرة.
:. عاقبة محاربة المواكب الحسينية
كما أنّ لخدمة المواكب الحسينية ثواباً وأجراً جزيلاً، كذلك فإن التصدي لهذه المواكب ومحاربتها ستكون لهما عاقبة سيئة. ومن يضع العراقيل في طريق المواكب الحسينية عامداً أو جاهلاً، سيلقى جزاءه في دار الدنيا قبل الآخرة. على سبيل المثال، الذي يشرب السمّ ظنّاً منه أنه دواء سيموت لا محالة، وكذلك الحال مع من يحارب الإمام الحسين سلام الله عليه. بالطبع، إنّ الثواب الحقيقي للأعمال هو في يوم الحساب، لكن المسيء للإمام الحسين سلام الله عليه سيدفع ثمن ذلك في الدنيا أيضاً قبل وصوله الدار الآخرة.
مسألة أخرى يجب الالتفات إليها ألا وهي السعادة والنعمة التي يهبهما الله تبارك وتعالى لعباده مقابل تقديم الخدمة في المواكب الحسينية، لذا علينا أن نغتنم هذه النعم كبقية النعم الإلهية الأخرى قبل أن نندم على التفريط بها، ولات ساعة مندم، ولا مجال حينذاك للعودة إلى الدنيا للتعويض عمّا فات.
كما علينا أن نعلم بأنّنا إذا كنّا قد وُفّقنا لإحياء مجالس العزاء الحسينية، فالفضل في ذلك كلّه يعود لآبائنا وأجدادنا وأسلافنا. لذلك، علينا أن نتذكّرهم دائماً، وأن نعلم بأنّنا نحن أيضاً سنترك تأثيراً على أجيالنا وذلك بحسب هممنا وعزائمنا في خدمة سيد الشهداء سلام الله عليه.
:. ثواب الحزن على أهل البيت سلام الله عليهم
من المناسب أن نقيّم أعمالنا ونرى ما لمجالس العزاء والحزن على مصاب أهل البيت سلام الله عليهم من ثواب من خلال ما ورد في ذلك عن الإمام المعصوم سلام الله عليه، ففي رواية عن الإمام جعفر الصادق سلام الله عليه أنّه قال: «نَفَسُ المَهموم لِظُلْمِنا تَسْبيحٌ، وَهَمّهُ لَنا عِبادَة»(11).
إنّكم تحملون في داخلكم همّاً عظيماً بسبب ما لحق الإمام الحسين سلام الله عليه من ظلم وإجحاف، إذن أنفاسكم كلها تسبيح تسجّلها الملائكة لكم في صحيفة أعمالكم، ففي كل نفس يكتب لكم قول سبحان الله. كما أنّ حزنكم عبادة لكم، وبالإضافة لهذين الثوابين هناك ثواب عظيم آخر لكم هو خدمتكم في هذا الطريق.
لذا، فمن يتحمّل مشاقَّ وأعباءً أكثر ويضع راحته وسهره في خدمة الإمام الحسين سلام الله عليه، بطبيعة الحال له أجرٌ أعظم، وأحد أوضح الأمثلة على ذلك ما رُئي لاثنين من الفقهاء الأفاضل في المنام (12)، أحدهما الشيخ الأنصاري(رحمه الله) الذي تنهل الحوزات العلمية الدينية منذ 150 عاماً من علمه، والآخر الشيخ الدربندي(رحمه الله). هذان العالمان كانا زميلي دراسة في مرحلة الشباب، وكانا من تلامذة المرحوم شريف العلماء المازندراني (ره)، وأصبح كلاهما فيما بعد مرجعين للتقليد، وفي ذلك الوقت كان الشيخ الأنصاري هو المرجع العام للشيعة، والدربندي له مرجعية محدودة. ذات يوم عزم أحد طلاب الشيخ الأنصاري ـ وكان طالباً مجدّاً يحمل صفات العلم والورع ـ على السفر إلى إيران، فقام الشيخ الأنصاري بوداعه حتى مشارف المدينة مشياً على الأقدام، ثم رجع. كان ذلك الطالب يعتزم السفر إلى مدينة كربلاء ثم الكاظمية وسامراء ليعود بعدها إلى إيران، لكنّه في اليوم التالي لم يذهب إلى كربلاء، ورجع من وسط الطريق. وعندما رأى الشيخ الأنصاري تلميذه في النجف الأشرف سأله: «لماذا عدت؟». أجابه: «ليلة أمس غلبني النوم وأنا في الطريق في جوف الصحراء، فرأيت ملكاً في منامي يقول لي: إلى أين أنت ذاهب في هذه الصحراء، إنّك راحل عن هذه الدنيا بعد ثلاثة أيّام. وهذا القصر لك (وأشار الملك إلى قصر) ولم أكن أعلم على وجه اليقين إن كانت هذه رؤيا صادقة أم لا، فقفلت راجعاً إلى النجف، لأكون عند أمير المؤمنين سلام الله عليه وليس في الصحراء فيما لو تحقّقت الرؤيا، وإذا لم تتحقّق أواصل رحلتي من جديد. وبالفعل، تحقّقت الرؤيا وتوفّي الرجل بعد ثلاثة أيّام كما وُعد بذلك. يروي هذا الشخص نفسه ـ قبل وفاته ـ للشيخ الأنصاري بأنّه قد رأى في ذلك المنام أيضاً قصراً شامخاً فسأل: لمن هذا القصر؟ قيل له: «إنّه للشيخ الأنصاري»، وفي ناحية مجاورة من ذلك القصر رأى قصراً آخر أفخم من القصر الأول فسأل: وهذا لمن؟ قيل له: «هذا قصر الشيخ الدربندي». في ذلك الوقت كان الشيخان لا يزالان على قيد الحياة، كان الشيخ الأنصاري في النجف الأشرف، والشيخ الدربندي في كربلاء المقدسة. وبالإضافة إلى كون هذا الأخير مرجعاً دينياً، كان خطيباً يعتلي المنابر الحسينية وكان له منبر خاص في كل عام، حيث نُقل لي بعض من قصصه تلك بواسطتين عمّن حضر مجلسه، وكانت مجالسه تقام في الصحن الشريف في ظهيرة يوم عاشوراء من كل عام بعد انتهاء المجالس الأخرى حيث كانت تعجّ بجماهير غفيرة، وأحياناً كان يتحدث قبل ساعة من موعده، ويقول أحياناً: «لا أريد أن أقيم مجلس ندب ونواح فقد سمعتم منها ما يكفي طيلة الليل وحتى الظهيرة، لكنّني أريد أن أوجّه بضع كلمات باسمكم إلى الإمام الحسين سلام الله عليه...» وكان مجلساً مميّزاً حقّاً. كما دوّن المرحوم الدربندي كتاباً مسهباً عن الإمام الحسين سلام الله عليه يحمل عنوان «إكسير العبادات». كان المتحدّث(تلميذ الشيخ الأنصاري) يعرف الشيخين جيداً، ويعلم أنّ مرجعية الشيخ الدربندي لا تضاهي مرجعية الأنصاري، لذلك أثارت فخامة قصر الشيخ الدربندي في تلك الرؤيا السؤال في نفس تلميذ الشيخ الأنصاري ليسأل الملك عن سبب ذلك، لأنّه من المتوقع أن يكون قصر الشيخ الأنصاري أكثر فخامة وعظمة، فأجابه المَلَك قائلاً: «هذا ليس جزاء أعمال الدربندي، بل هو هدية له من قِبل الإمام الحسين سلام الله عليه».
تقبلوا تحياتي انا اخوكم جمال الدين