محمد الجرايحى
15-10-2003, 07:12 PM
إسمه ولقبه
عبد شمس بن صخر الدوسى وكان ذلك اسمه فى الجاهلية فلما دخل الإسلام سماه الرسول صلى الله عليه وسلم، عبد الرحمن، ولقد كان عطوفا على الحيوان، وكانت له هرة يطعمها ويحملها، وينظفها ويؤويها وكانت تلازمه كظله، وهكذا دعى "أبا هريرة " رضى الله عنه وأرضاه
نشأته
"نشأ أبو هريرة يتيما فقيرا وقد روى هو فى ذلك :" نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا وكنت أجيرا لِبُسْرَة بنت غزوان بطعام بطنى..!! كنت أخدمهم إذا نزلوا، وأحدوا لهم إذا ركبوا.. وها أنذا وقد زوجنيها الله، فالحمد لله الذى جعل الدين قواما، وجعل أبو هريرة إماما
إسلامه
أسلم أبو هريرة سنة سبع فى خيبر، ومنذ رأى النبى صلى الله عليه وسلم وبايعه لم يكد يفارقه أبدا إلا فى ساعات النوم، وهكذا كانت السنوات الأربع التى عاشها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلم إلى أن ذهب النبى إلى الرفيق الأعلى.. كانت تلك السنوات عمرا وحدها .. كانت طويلة عريضة، ممتلئة بكل صالح من القول والعمل والإصغاء. وكان أبو هريرة، رضى الله عنه، من العابدين الأوابين، يتناوب مع زوجته وابنته قيام الليل كله.. فيقوم هو ثلثه، وتقوم زوجته ثلثه، وتقوم ابنته ثلثه، وهكذا لا تمر من الليل ساعة إلا وفى بيت أبى هريرة عبادة وذكر وصلاة
حبه لرسول الله
كان أبو هريرة منذ أن أسلم لا يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى سبيل أن يتفرغ لصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عانى من قسوة الجوع مالم يعان مثله أحد، وإنه ليحدثنا كيف كان الجوع يعض أمعاءه فيشد على بطنه حجرا ويعتصر كبده بيديه، ويسجد فى المسجد وهو يتلوى حتى يظن بعض أصحابه أن به صرعا، وما هو بمصروع. ولما أسلم لم يكن يؤذيه ويضنيه من مشاكل حياته سوى مشكلة واحدة لم يكن يرقأ له بسببها جفن، كانت هذه المشكلة هى أمه، فإنها يومئذ رفضت أن تسلم، ليس ذلك فحسب، بل كانت تؤذى ابنها فى حبيبه، فى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذكره بسوء، وذات يوم أسمعت أبا هريرة فى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكره، فانفض عنها باكيا محزونا، وذهب إلى مسجد الرسول، ولندعه هو يروى لنا :".. فجئت إلى رسول الله وأنا أبكى، فقلت: يا رسول الله، كنت أدعو أم أبى هريرة إلى الإسلام فتأبى عَلَىَّ، وإنى دعوتها اليوم فأسمعتنى فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبى هريرة إلى الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد أم أبى هريرة، فخرجت أعدو أبشرها بدعاء رسول الله، فلما أتيت الباب إذا هو مُجاف-أى مغلق- وسمعت خضخضة الماء، ونادتنى: يا أبا هريرة مكانك.. ثم لبست درعها، وعجلت عن خمارها وخرجت وهى تقول: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فجئت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكى من الفرح، كما بكيت من الحزن، وقلت: أبشر يا رسول الله، فقد أجاب الله دعوتك، قد هدى الله أم أبى هريرة للإسلام.. ثم قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببنى وأمى إلى المؤمنين والمؤمنات.. فقال: اللهم "حِبب عُبيدك هذا وأمه إلى كل مؤمن ومؤمنة
جهاد أبو هريرة
عاش أبو هريرة عابدا ومجاهدا، لا يتخلف عن غزوة، ولا عن طاعة، وفى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه ولاه إمارة البحرين، وعمر كما نعلم شديد المحاسبة لولاته، إذا ولى أحدهم وهو يملك ثوبين، فيجب أن يترك الولاية يوم يتركها وهو لا يملك من دنياه سوى ثوبيه، ويكون من الأفضل أن يتركها وله ثوب واحد، أما إذا خرج من الولاية وقد ظهرت عليه أعراض ثراء، فإنه آنئذ لا يفلت من حساب عمر، مهما يكن مصدر ثرائه حلالا ومشروعا، دنيا أخرى.. ملأها عمر روعة وإعجازا، وحين ولى أبو هريرة البحرين ادخر مالا، من مصادره الحلال، وعلم عمر فدعاه إلى المدينة، ويروى أبو هريرة:" قال لى عمر: يا عدو الله، وعدو كتابه، أسرقت مال الله؟ قلت: ما أنا بعدو الله ولا عدو لكتابه لكنى عدو من عاداهما ولا أنا من يسرق مال الله، قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ قلت: خيل لى تناسلت، وعطايا تلاحقت، قال عمر: فادفعها إلى بيت مال المسلمين" ودفع أبو هريرة المال إلى عمر ثم رفع يديه إلى السماء وقال:" اللهم اغفر لأمير المؤمنين". وبعد حين دعا عمر أبا هريرة، وعرض عليه الولاية من جديد، فأباها واعتذر عنها، فقال له عمر: ولماذا؟ قال أبو هريرة:" حتى لا يُشتَم عرضى، "ويؤخَذ مالى، ويُضرَب ظهرى"، ثم قال:" وأخاف أن أقضى بغير علم وأقول بغير حلم
أبو هريرة ورواية الحديث
لم يكن أبو هريرة ممن يكتبون، ولكنه كان سريع الحفظ قوى الذاكرة وقد زادت موهبته هذه مضاء ورحابة وقوة بعد أن دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبها أن يبارك الله له فيها، وأبو هريرة لم تكن له أرض يزرعها، ولا تجارة تشغله، وهو إذ رأى نفسه قد أسلم متأخرا، عزم على أن يعوض ما فاته، وذلك بأن يواظب على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى مجالسته، وهكذا راح يكرس نفسه ودقة ذاكرته لحفظ أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وتوجيهاته، فلما انتقل النبى صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، راح أبو هريرة يُحَدِّث ويُحَدِّث، مما جعل بعض أصحابه يعجبون: أنَّى له كل هذه الأحاديث، ومتى سمعها ووعاها، ولقد ألقى أبو هريرة رضى الله عنه الضوء على هذه الظاهرة، وكأن يدفع عن نفسه مغبة تلك الشكوك التى ساورت بعض أصحابه فقال:" إنكم لتقولون أكثر أبو هريرة فى حديثه عن النبى صلى الله عليه وسلم، وتقولون: إن المهاجرين الذين سبقوه إلى الإسلام لا يحدثون هذه الأحاديث؟ ألا إن أصحابى من المهاجرين، كانت تشغلهم صفقاتهم بالسوق، وإن أصحابى من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم وإنى كنت امرءا مسكينا، أكثر مجالسة رسول الله، فأحضر إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا، وإن النبى صلى الله عليه وسلم حدثنا يوما فقال: من يبسط رداءه حتى يفرغ من حديثى ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئا كان قد سمعه منى.. فبسطت ثوبى فحدثنى ثم ضممته إلىّ فوالله ما كنت نسيت شيئا سمعته منه، وأيم الله، لولا آية فى كتاب الله ما حدثتكم بشئ أبدا، وهى { إن الذين يكتمون ما أنزلْنَا من البَينَاتِ والُدَى من بعد ما بَيَّنَّاهُ للناس فى الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}". من أجل هذا راح يحدَّث ويُحَدِّث، لا يصده عن الحديث صادٌّ، ولا يعتاقه عائق.. حتى قال له عمر يوما وهو أمير المؤمنين:" لتتركن الحديث عن رسول الله، أو لألحقنك بأرض دَوْس" أى أرض قومه وأهله، على أن هذا النهى من أمير المؤمنين لا يُشكل اتهاما لأبى هريرة، بل هو دَعْم لنظرية كان عمر يتبناها ويؤكدها، تلك هى: أن على المسلمين فى تلك الفترة بالذات ألا يقرأوا، وألا يحفظوا شيئا سوى القرآن حتى يقرّ ويثبت فى الأفئدة والعقول، من أجل هذا كان عمر يقول:" اشتغلوا بالقرآن، فإن القرآن كلام الله" ويقول :" اقِلُّوا الرواية عن رسول الله إلا فيما عمل به" وحين أرسل أبو موسى الأشعرى إلى العراق، قال له:" إنك تأتى قوما لهم فى مساجدهم دَوِىُّ بالقرآن كدوى النحل، فدعهم على ماهم عليه، ولا تشغلهم بالأحاديث، وأنا شريكك فى ذلك". كان القرآن قد جمع بطريقة مضمونة دون أن يتسرب إليه ما ليس منه، أما الأحاديث فليس يضمن عمر أن تحَرَّف أو تزيف أو تتخذ سبيلا للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنيل من الإسلام. وكان أبو هريرة يقدر وجهة نظر عمر، ولكنه كان أيضا واثقا من نفسه ومن أمانته، وكان لايريد أن يكتم من الحديث والعلم ما يعتقد أن كتمانه إثمٌ وبَوَار، وهكذا لم يجد فرصة لإفراغ ما فى صدره من حديث سمعه ووعاه إلا حدَّث وقال. وقد أراد مروان بن الحكم يوما أن يبلو مقدرة أبى هريرة على الحفظ، فدعاه إليه وأجلسه معه، وطلب منه أن يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما أجلس كاتبه وراء حجاب، وأمره أن يكتب كل ما يقوله أبو هريرة، وبعد مرور عام، دعاه مروان مرة أخرى، وأخذ يستقرئه نفس الأحاديث التى كان كاتبه سطرها، فما نسى أبو هريرة كلمة منها. وكان أبو هريرة يقول عن نفسه:" ما من أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً عنه منى، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب" وقال عنه الإمام الشافعى رضى الله عنه :" أبو هريرة أحفظ من روى الحديث فى دهره" وقال البخارى رضى الله عنه :" روى عن أبى هريرة نحواً من ثمانمائة أو أكثر من الصحابة والتابعين وأهل العلم" وهكذا كان أبو هريرة مدرسة كبيرة كُتِب لها البقاء والخلود
وفاة أبو هريرة
ذات يوم اشتد شوقه إلى لقاء الله، وبينما كان عُواده يدعون له بالشفاء له من مرضه، كان يُلحُّ قائلا :" اللهم إنى أحب لقاءك، فأحب لقائى" وعن ثمانى وسبعين سنة مات فى العام التاسع والخمسين للهجرة، وبين ساكنى البقيع الأبرار تبوأ جثمانه الوديع مكانا مباركا، وبينما كان مشيعوه عائدين من جنازته، كانت ألسنتهم ترتل الكثير من الأحاديث التى حفظها لهم عن رسولهم الكريم
عبد شمس بن صخر الدوسى وكان ذلك اسمه فى الجاهلية فلما دخل الإسلام سماه الرسول صلى الله عليه وسلم، عبد الرحمن، ولقد كان عطوفا على الحيوان، وكانت له هرة يطعمها ويحملها، وينظفها ويؤويها وكانت تلازمه كظله، وهكذا دعى "أبا هريرة " رضى الله عنه وأرضاه
نشأته
"نشأ أبو هريرة يتيما فقيرا وقد روى هو فى ذلك :" نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا وكنت أجيرا لِبُسْرَة بنت غزوان بطعام بطنى..!! كنت أخدمهم إذا نزلوا، وأحدوا لهم إذا ركبوا.. وها أنذا وقد زوجنيها الله، فالحمد لله الذى جعل الدين قواما، وجعل أبو هريرة إماما
إسلامه
أسلم أبو هريرة سنة سبع فى خيبر، ومنذ رأى النبى صلى الله عليه وسلم وبايعه لم يكد يفارقه أبدا إلا فى ساعات النوم، وهكذا كانت السنوات الأربع التى عاشها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلم إلى أن ذهب النبى إلى الرفيق الأعلى.. كانت تلك السنوات عمرا وحدها .. كانت طويلة عريضة، ممتلئة بكل صالح من القول والعمل والإصغاء. وكان أبو هريرة، رضى الله عنه، من العابدين الأوابين، يتناوب مع زوجته وابنته قيام الليل كله.. فيقوم هو ثلثه، وتقوم زوجته ثلثه، وتقوم ابنته ثلثه، وهكذا لا تمر من الليل ساعة إلا وفى بيت أبى هريرة عبادة وذكر وصلاة
حبه لرسول الله
كان أبو هريرة منذ أن أسلم لا يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفى سبيل أن يتفرغ لصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عانى من قسوة الجوع مالم يعان مثله أحد، وإنه ليحدثنا كيف كان الجوع يعض أمعاءه فيشد على بطنه حجرا ويعتصر كبده بيديه، ويسجد فى المسجد وهو يتلوى حتى يظن بعض أصحابه أن به صرعا، وما هو بمصروع. ولما أسلم لم يكن يؤذيه ويضنيه من مشاكل حياته سوى مشكلة واحدة لم يكن يرقأ له بسببها جفن، كانت هذه المشكلة هى أمه، فإنها يومئذ رفضت أن تسلم، ليس ذلك فحسب، بل كانت تؤذى ابنها فى حبيبه، فى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتذكره بسوء، وذات يوم أسمعت أبا هريرة فى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكره، فانفض عنها باكيا محزونا، وذهب إلى مسجد الرسول، ولندعه هو يروى لنا :".. فجئت إلى رسول الله وأنا أبكى، فقلت: يا رسول الله، كنت أدعو أم أبى هريرة إلى الإسلام فتأبى عَلَىَّ، وإنى دعوتها اليوم فأسمعتنى فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبى هريرة إلى الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد أم أبى هريرة، فخرجت أعدو أبشرها بدعاء رسول الله، فلما أتيت الباب إذا هو مُجاف-أى مغلق- وسمعت خضخضة الماء، ونادتنى: يا أبا هريرة مكانك.. ثم لبست درعها، وعجلت عن خمارها وخرجت وهى تقول: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فجئت أسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكى من الفرح، كما بكيت من الحزن، وقلت: أبشر يا رسول الله، فقد أجاب الله دعوتك، قد هدى الله أم أبى هريرة للإسلام.. ثم قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببنى وأمى إلى المؤمنين والمؤمنات.. فقال: اللهم "حِبب عُبيدك هذا وأمه إلى كل مؤمن ومؤمنة
جهاد أبو هريرة
عاش أبو هريرة عابدا ومجاهدا، لا يتخلف عن غزوة، ولا عن طاعة، وفى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه ولاه إمارة البحرين، وعمر كما نعلم شديد المحاسبة لولاته، إذا ولى أحدهم وهو يملك ثوبين، فيجب أن يترك الولاية يوم يتركها وهو لا يملك من دنياه سوى ثوبيه، ويكون من الأفضل أن يتركها وله ثوب واحد، أما إذا خرج من الولاية وقد ظهرت عليه أعراض ثراء، فإنه آنئذ لا يفلت من حساب عمر، مهما يكن مصدر ثرائه حلالا ومشروعا، دنيا أخرى.. ملأها عمر روعة وإعجازا، وحين ولى أبو هريرة البحرين ادخر مالا، من مصادره الحلال، وعلم عمر فدعاه إلى المدينة، ويروى أبو هريرة:" قال لى عمر: يا عدو الله، وعدو كتابه، أسرقت مال الله؟ قلت: ما أنا بعدو الله ولا عدو لكتابه لكنى عدو من عاداهما ولا أنا من يسرق مال الله، قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ قلت: خيل لى تناسلت، وعطايا تلاحقت، قال عمر: فادفعها إلى بيت مال المسلمين" ودفع أبو هريرة المال إلى عمر ثم رفع يديه إلى السماء وقال:" اللهم اغفر لأمير المؤمنين". وبعد حين دعا عمر أبا هريرة، وعرض عليه الولاية من جديد، فأباها واعتذر عنها، فقال له عمر: ولماذا؟ قال أبو هريرة:" حتى لا يُشتَم عرضى، "ويؤخَذ مالى، ويُضرَب ظهرى"، ثم قال:" وأخاف أن أقضى بغير علم وأقول بغير حلم
أبو هريرة ورواية الحديث
لم يكن أبو هريرة ممن يكتبون، ولكنه كان سريع الحفظ قوى الذاكرة وقد زادت موهبته هذه مضاء ورحابة وقوة بعد أن دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبها أن يبارك الله له فيها، وأبو هريرة لم تكن له أرض يزرعها، ولا تجارة تشغله، وهو إذ رأى نفسه قد أسلم متأخرا، عزم على أن يعوض ما فاته، وذلك بأن يواظب على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى مجالسته، وهكذا راح يكرس نفسه ودقة ذاكرته لحفظ أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام وتوجيهاته، فلما انتقل النبى صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، راح أبو هريرة يُحَدِّث ويُحَدِّث، مما جعل بعض أصحابه يعجبون: أنَّى له كل هذه الأحاديث، ومتى سمعها ووعاها، ولقد ألقى أبو هريرة رضى الله عنه الضوء على هذه الظاهرة، وكأن يدفع عن نفسه مغبة تلك الشكوك التى ساورت بعض أصحابه فقال:" إنكم لتقولون أكثر أبو هريرة فى حديثه عن النبى صلى الله عليه وسلم، وتقولون: إن المهاجرين الذين سبقوه إلى الإسلام لا يحدثون هذه الأحاديث؟ ألا إن أصحابى من المهاجرين، كانت تشغلهم صفقاتهم بالسوق، وإن أصحابى من الأنصار كانت تشغلهم أرضهم وإنى كنت امرءا مسكينا، أكثر مجالسة رسول الله، فأحضر إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا، وإن النبى صلى الله عليه وسلم حدثنا يوما فقال: من يبسط رداءه حتى يفرغ من حديثى ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئا كان قد سمعه منى.. فبسطت ثوبى فحدثنى ثم ضممته إلىّ فوالله ما كنت نسيت شيئا سمعته منه، وأيم الله، لولا آية فى كتاب الله ما حدثتكم بشئ أبدا، وهى { إن الذين يكتمون ما أنزلْنَا من البَينَاتِ والُدَى من بعد ما بَيَّنَّاهُ للناس فى الكتاب، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}". من أجل هذا راح يحدَّث ويُحَدِّث، لا يصده عن الحديث صادٌّ، ولا يعتاقه عائق.. حتى قال له عمر يوما وهو أمير المؤمنين:" لتتركن الحديث عن رسول الله، أو لألحقنك بأرض دَوْس" أى أرض قومه وأهله، على أن هذا النهى من أمير المؤمنين لا يُشكل اتهاما لأبى هريرة، بل هو دَعْم لنظرية كان عمر يتبناها ويؤكدها، تلك هى: أن على المسلمين فى تلك الفترة بالذات ألا يقرأوا، وألا يحفظوا شيئا سوى القرآن حتى يقرّ ويثبت فى الأفئدة والعقول، من أجل هذا كان عمر يقول:" اشتغلوا بالقرآن، فإن القرآن كلام الله" ويقول :" اقِلُّوا الرواية عن رسول الله إلا فيما عمل به" وحين أرسل أبو موسى الأشعرى إلى العراق، قال له:" إنك تأتى قوما لهم فى مساجدهم دَوِىُّ بالقرآن كدوى النحل، فدعهم على ماهم عليه، ولا تشغلهم بالأحاديث، وأنا شريكك فى ذلك". كان القرآن قد جمع بطريقة مضمونة دون أن يتسرب إليه ما ليس منه، أما الأحاديث فليس يضمن عمر أن تحَرَّف أو تزيف أو تتخذ سبيلا للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنيل من الإسلام. وكان أبو هريرة يقدر وجهة نظر عمر، ولكنه كان أيضا واثقا من نفسه ومن أمانته، وكان لايريد أن يكتم من الحديث والعلم ما يعتقد أن كتمانه إثمٌ وبَوَار، وهكذا لم يجد فرصة لإفراغ ما فى صدره من حديث سمعه ووعاه إلا حدَّث وقال. وقد أراد مروان بن الحكم يوما أن يبلو مقدرة أبى هريرة على الحفظ، فدعاه إليه وأجلسه معه، وطلب منه أن يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما أجلس كاتبه وراء حجاب، وأمره أن يكتب كل ما يقوله أبو هريرة، وبعد مرور عام، دعاه مروان مرة أخرى، وأخذ يستقرئه نفس الأحاديث التى كان كاتبه سطرها، فما نسى أبو هريرة كلمة منها. وكان أبو هريرة يقول عن نفسه:" ما من أحد من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً عنه منى، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب" وقال عنه الإمام الشافعى رضى الله عنه :" أبو هريرة أحفظ من روى الحديث فى دهره" وقال البخارى رضى الله عنه :" روى عن أبى هريرة نحواً من ثمانمائة أو أكثر من الصحابة والتابعين وأهل العلم" وهكذا كان أبو هريرة مدرسة كبيرة كُتِب لها البقاء والخلود
وفاة أبو هريرة
ذات يوم اشتد شوقه إلى لقاء الله، وبينما كان عُواده يدعون له بالشفاء له من مرضه، كان يُلحُّ قائلا :" اللهم إنى أحب لقاءك، فأحب لقائى" وعن ثمانى وسبعين سنة مات فى العام التاسع والخمسين للهجرة، وبين ساكنى البقيع الأبرار تبوأ جثمانه الوديع مكانا مباركا، وبينما كان مشيعوه عائدين من جنازته، كانت ألسنتهم ترتل الكثير من الأحاديث التى حفظها لهم عن رسولهم الكريم