قلب الاسد
10-29-2003, 03:38 PM
[B][SIZE=4][COLOR=purple]أبرز نشوء الشرق الأوسط الحديث وظهور دوله السياسية بشكلها الحالي عدة قضايا إلى السطح؛ من أهمها العلاقة بين الإسلام والوطنية. وأصبح التوفيق بين الإسلام والوطنية قضية دينية وأيديولوجية وسياسية مازالت مطروحة للنقاش, وبينما لا يزال البعض يرى أن الإسلام والوطنية غير متوافقين, يؤكد آخرون أن الوطنية لم تعد فقط حقيقة واقعة وعملية, بل إنه قد تمت (أسلمتها) بطرائق متعددة كما في مصر وإيران والسعودية وأفغانستان وماليزيا وإندونيسيا , ومع استمرار المسلمين في القرن الحادي والعشرين في مناقشة الشكل الأمثل لتطبيق الإسلام على مستوى الدولة والمجتمع؛ فإن من المهم أن يفهم التطور التاريخي للتفاعل بين الإسلام والوطنية في الشرق الأوسط وخاصة في العالم العربي.
في هذا الحوار مع المفكر الإسلامي الدكتور (عبد الوهاب الأفندي) الباحث والمتخصص في الفكر السياسي الإسلامي, نلقي الضوء على كثير من الإشكاليات التي صاحبت ظهور مصطلحات الأمة والوطنية، وكيف تم تناولها من قبل الإسلاميين والليبراليين, والدكتور عبد الوهاب الأفندي هو صاحب آراء واضحة وقيمة في هذه القضايا, وقبل سنوات أصدر كتاباً أُثير حوله الكثير من الجدل في الأوساط الأكاديمية والبحثية أجمل فيه آراءه حول الدولة الإسلامية وماهيتها , وكان بعنوان (who needs an Islamic State? ) . وهنا نص الحوار....
* عند الحديث عن مفهوم الأمة والوطن يلاحظ أن غالبية النصوص الفكرية والسياسية المعاصرة في العالم العربي والإسلامي، يغشاها الكثير من الالتباس والتوتر فيما يتعلق بهذين المفهومين ونطاق كل منهما.. فما السبب؟
أهم مصدر للالتباس هو أن الوطنية أو القومية مفهوم غربي في الأساس، بينما مفهوم الأمة مفهوم إسلامي، ويتعلق مفهوم الأمة أصلاً في الإسلام بالرابطة الأخوية الدينية بين المؤمنين، وهي رابطة طوعية اختيارية، وينطلق منها مفهوم الجماعة باعتبارها رابطة تضامنية لحمتها الالتزام بالقيم الإسلامية وتطبيقها في واقع الحياة والترويج لها.
وبالمقابل فإن الرابطة الوطنية هي رابطة تعاقدية ليس لها محتوى سابق على التعاقد نفسه، وهي إن كانت طوعية نظرياً إلا أنها أصبحت في عصرنا هذا إجبارية في الواقع، لأن الإنسان يولد وهو مرتبط بهوية وطنية معينة يصعب عليه استبدالها.
وفي هذا الإطار تصبح الرابطة الوطنية القومية هي أشبه بالرابطة القبلية أو العرقية في السابق. وهناك تطابق بين الاثنين في أحيان كثيرة، كما هو الحال في الهوية الروسية أو الفرنسية أو الأيرلندية وغيرها من الروابط التي تتطابق فيها الهوية الوطنية والعرقية. ويسعى مبدأ تقرير المصير الذي قام عليه النظام العالمي الحالي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى خلق أكبر قدر من التطابق بين الهويتين.
وهذا مصدر التباس آخر في الأدبيات العربية؛ لأن الحركة القومية العربية الحديثة تؤكد على الهوية العربية الشاملة، وتربط بين مبدأ تقرير المصير والوحدة العربية، ولهذا تستخدم الأدبيات العربية مفهوم الوطنية على خلاف الاصطلاح العالمي الذي يطابق بين الوطنية والقومية. فالدولة القومية هي نفسها الدولة الوطنية، ولكن العرب ابتدعوا مصطلح "الدولة القطرية" للدلالة على الدول العربية المتفرقة، بينما يستعمل مصطلح القومية للدلالة على الرابطة العربية الشاملة.
من الممكن أن يقال إذاً: إن جزءًا من الالتباس سببه الخلاف الأيديولوجي بين التيارات المختلفة في العالم العربي، وإصرار كل تيار على استخدام المصطلحات طبقاً لتوجهاته الإيديولوجية.
مهما يكن فيمكننا إذًا أن نشير إلى مفهوم الأمة بمعناه الإسلامي، باعتباره الرابطة التي تجمع كل المسلمين، وإن كان البعض يستخدم هذا المصطلح كمرادف للرابطة القومية أو الوطنية، كما يقال "الأمة العربية" أو "الأمة المصرية" وهو مقبول لغوياً لأن تعبير "الأمة" تاريخياً كان يحدد بقولنا " الأمة الإسلامية" أو " أمة الإسلام" . أما الرابطة الوطنية فهي تلك الرابطة التعاقدية التي تعقد بين مواطني دولة واحدة على أساس الحد الأدنى مما يجمعهم.
* هل كان للغرب الاستعماري أي تأثير في الحد من أو تعزيز أفكار القومية والوطنية في العالم الإسلامي؟
التحدي الغربي أثّر بقوة في الاتجاهات الفكرية الإسلامية حتى قبل مرحلة الاستعمار؛ فقد بدأت بعض التيارات تتأثر بالمفاهيم الغربية في هذا المجال منذ نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وكان المنطلق في كل هذا الشعور يضعف موقف الأمة الإسلامية تجاه الغرب، والسعي لخلق توازن يعيد للأمة اعتبارها. وقد رأت النخب الحاكمة والمفكرة أن نقطة البداية تكون بتقوية الدولة اقتصادياً وعسكرياً عن طريق إدخال العلوم الغربية الحديثة وتطبيق الإدارة المدنية الأوروبية. وهذا بدوره أدى إلى إدخال أفكار مثل القومية كأساس لتنظيم المجتمع وتحديد علاقته مع الدولة.
وقد كان لهذا أثر سلبي على الوحدة الإسلامية؛ لأنه أدى من جهة إلى إدخال وتبني مفاهيم تفرق ولا توحد، حيث حاول الأتراك إدخال ما سموه بـ"الرابطة العثمانية" لتوحيد شعوب الإمبراطورية على اختلاف أديانها وأعراقها، وعندما فشل هذا المسعى قاموا بإدخال مفهوم الطورانية، وهو مفهوم يقوم على الرابطة العرقية التركية، وقد سبب هذا أزمة؛ لأن كثيراً من شعوب الإمبراطورية وعلى رأسها العرب رفضوا فرض هذه الهوية المصطنعة عليهم، وقد أدى إلى ثورات مثل "الثورة العربية الكبرى" ( 1916-1918م) وتفتيت الدولة العثمانية.
وفي هذه الظروف تم أيضاً تبني مفهوم القومية العربية كرد فعل على فرض "التتريك" على شعوب الدولة العثمانية، وأيضاً لاستيعاب العرب المسيحيين الذين لا تشملهم الرابطة الإسلامية، ولكن تبني الرابطة العربية مقابل الإسلامية أدى إلى خلق مشاكل جديدة لم تكن تطرح في الإطار القديم، وعلى سبيل المثال؛ فإن الأكراد والبربر وغيرهم من المسلمين غير العرب وجدوا أنفسهم في حالة إقصاء بسبب اعتماد الهوية العربية بدلاً عن الهوية الإسلامية التي كانت توحد العرقيات المختلفة في السابق.
جرت محاولات لتفادي هذه المعضلة بالاعتماد على هوية جديدة، مثل الهوية العراقية أو اللبنانية أو الجزائرية. ومعروف أن الوحدات السياسية القائمة هي نتاج مباشر للحقبة الاستعمارية التي قسمت الدول الإسلامية على أسس تخص القوى المستعمرة، وقد لا يكون لها علاقة بواقع تلك الدول. وهذه مشكلة لم تعان منها الدول العربية والإسلامية وحدها، وإنما دول أخرى تعرضت للاستعمار في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ولا تزال تواجه صراعات حول الهوية بهذا السبب.
ولا يعني هذا أن الهويات الجديدة "مصطنعة"؛ لأن كل هوية هي في الواقع مصطنعة، ولكنها تواجه تحديات أكثر في الحفاظ عليها، بما يفرض ذلك من تنازلات ومساومات لاستيعاب التوجهات والمصالح والهويات المختلفة في القطر الواحد.
* لكن ما يلاحظ أن الطرح الإسلامي في كافة تجلياته الكلاسيكية والمعاصرة لم يكن منشغلاً بإشكالية المواطنة أو الأمة بعكس التيار الليبرالي الذي تبنى هذه الإشكالية في كثير من مرجعياته. فما قولكم؟
كما ذكرت.. فإن مصطلح المواطنة هو مصطلح غربي يعود في أصوله إلى الفكر الإغريقي والروماني، حيث كان يشير إلى ساكن المدينة المتمتع بكامل الحقوق السياسية فيها، مقابل المحرومين من هذا الحق وعلى رأسهم النساء والعبيد والأجانب. وقد تطور مفهوم المواطنة في روما الإمبراطورية ليشمل أعدادًا من النخب من خارج المدينة، ولكنه أفرغ من مضمونه السياسي، بحيث أصبحت للمواطن حقوق مدنية دون المشاركة الكاملة في السلطة كما كان الحال سابقاً.
وقد تطور مفهوم المواطنة في الفكر السياسي الحديث ليشمل العضوية الكاملة في المجتمع السياسي وما يرتبط بها من حقوق مدنية وسياسية غير قابلة للتصرف. وارتبطت هذه المفاهيم ارتباطاً وثيقاً بالتوجهات الليبرالية ومنظريها، حيث أكدت المدارس الفكرية الليبرالية على دور الفرد وحقوقه، فارتبطت المواطنة بالنزعة الفردية والحقوق الديمقراطية المعروفة اليوم.
وهذا يجعل من الطبيعي أن تكون التيارات الليبرالية العربية هي التي تتبنى الترويج لمفهوم المواطنة؛ لأن هذا يمثل لب الفكر الليبرالي وجوهر أطروحاته. وبالمقابل هناك النقد الماركسي المعروف للطرح الليبرالي للمواطنة الذي يرى فيه طرحاً أجوف؛ لأن المواطنة الليبرالية تمنح حقوقاً شكلية لعجز الفقراء والمحرومين عن ممارستها عملياً.
إشكالية المواطنة فرضت على الفكر الإسلامي الحديث بسبب واقع التجزئة والتحديات الخارجية التي فرضت وحدة الشعوب الواقعة تحت الاستعمار حتى تتصدى له جماعياً. وقد سعى الفكر الإسلامي إلى استيعاب هذه الحقائق منذ القرن التاسع عشر، حيث طرح السيد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في "العروة الوثقى" مفهوم الجامعة الشرقية التي تجمع كل شعوب الشرق المهددة بالاستعمار، بما في ذلك اليابان والصين. وقد سعى الأفغاني كذلك لاستثارة حماس المصريين والهنود بالإشارة إلى التاريخ العريق لهذه الشعوب وإنجازاتها الحضارية. ولكن الفكر الإسلامي يواجه إشكالاً في هذا الخصوص كونه معني أساساً بالجماعة الإسلامية ومشاكلها، فالدولة الإسلامية، محور التفكير الإسلامي الحديث هي أساساً دولة المؤمنين. ولكن واقع الدولة الحديثة فرض على الفكر الإسلامي التعامل العملي والنظري مع حقيقة وجود مواطنين غير مسلمين في كل الدول الإسلامية الحديثة تقريباً ، هذا إضافة إلى وجود طوائف مسلمة تختلف مذهبياً، مما يحتم أن تستوعب أية دولة عناصر لا تؤمن بالطرح الإسلامي الذي تتقدم به هذه الحركة أو تلك.
وقد بذلت الحركات وبذل المفكرون الإسلاميون جهوداً مكثفة للتعامل مع هذا التحدي أشرت إليها باستفاضة في مقالتي المنشورة بمجلة "المستقبل العربي" (العدد 264، فبراير 2001). ولكن هذه الاجتهادات لم تبلغ بعد حد الاستجابة الحاسمة لهذه الإشكالية، حيث ما يزال قبول الإسلام بحق المواطنة لغير المسلم تحكمه النظرة التقليدية التي كانت تستند إلى وجود الدولة الإسلامية المقتصرة على المسلمين، وتعتبر غير المسلمين "ضيوفاً" ينبغي أن تحسن معاملتهم دون أن يكون لهم من الأمر شيء.
*هل يمكن تحقيق قدر من التوافق بين الإسلام والوطنية؟
الفكر الإسلامي يواجه إشكالات عميقة في مجال التوفيق بين المواطنة والمفاهيم الإسلامية السائدة. نظرياً بالطبع لا يوجد ما يمنع هذا التوفيق، فالإسلام اعترف اعترافاً كاملاً بالروابط القبلية والعرقية والإقليمية، واعتبرها أساساً لتنظيم حياة المجتمع المسلم؛ بل إن الروابط القبلية والأسرية لها مكانها في صميم القانون الإسلامي كما في أحكام الميراث والقصاص والزكاة وغيرها. وقد ظل المسلمون حتى عصرنا هذا ينتسبون إلى قبائلهم ومدنهم وبلدانهم دون غضاضة.
ولكن الرابطة الأساسية التي قام عليها الفكر الإسلامي والممارسة الإسلامية التقليدية تقوم على المطابقة بين الأمة والدولة. فمفهوم المواطنة في الفكر الحديث يقابله مفهوم المسلم في الفكر الإسلامي التقليدي. فكل فرد نطق بالشهادتين أصبح مسلماً، وبالتالي عضواً كامل العضوية في الأمة الإسلامية وشريكاً كامل الشراكة في الجماعة السياسية، نظرياً على الأقل؛ فالمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، وأمرهم شورى بينهم، ولا وتوجد بينهم أسس للتفرقة على أساس اللون أوالعرق أو المنشأ.
عملياً بالطبع لم تطبق هذه المفاهيم دائماً، ولكن الإشكال الذي نشأ حديثاً جاء من انتهاء المطابقة بين الأمة والجماعة السياسية، فالحدود الجغرافية الحديثة حالت بين المسلمين والمشاركة في وحدات سياسية خارج وطنهم، بينما ضمت هذه الحدود جماعات من غير المسلمين أصبح لها حق المشاركة الكامل في القرار السياسي حسب /B]
في هذا الحوار مع المفكر الإسلامي الدكتور (عبد الوهاب الأفندي) الباحث والمتخصص في الفكر السياسي الإسلامي, نلقي الضوء على كثير من الإشكاليات التي صاحبت ظهور مصطلحات الأمة والوطنية، وكيف تم تناولها من قبل الإسلاميين والليبراليين, والدكتور عبد الوهاب الأفندي هو صاحب آراء واضحة وقيمة في هذه القضايا, وقبل سنوات أصدر كتاباً أُثير حوله الكثير من الجدل في الأوساط الأكاديمية والبحثية أجمل فيه آراءه حول الدولة الإسلامية وماهيتها , وكان بعنوان (who needs an Islamic State? ) . وهنا نص الحوار....
* عند الحديث عن مفهوم الأمة والوطن يلاحظ أن غالبية النصوص الفكرية والسياسية المعاصرة في العالم العربي والإسلامي، يغشاها الكثير من الالتباس والتوتر فيما يتعلق بهذين المفهومين ونطاق كل منهما.. فما السبب؟
أهم مصدر للالتباس هو أن الوطنية أو القومية مفهوم غربي في الأساس، بينما مفهوم الأمة مفهوم إسلامي، ويتعلق مفهوم الأمة أصلاً في الإسلام بالرابطة الأخوية الدينية بين المؤمنين، وهي رابطة طوعية اختيارية، وينطلق منها مفهوم الجماعة باعتبارها رابطة تضامنية لحمتها الالتزام بالقيم الإسلامية وتطبيقها في واقع الحياة والترويج لها.
وبالمقابل فإن الرابطة الوطنية هي رابطة تعاقدية ليس لها محتوى سابق على التعاقد نفسه، وهي إن كانت طوعية نظرياً إلا أنها أصبحت في عصرنا هذا إجبارية في الواقع، لأن الإنسان يولد وهو مرتبط بهوية وطنية معينة يصعب عليه استبدالها.
وفي هذا الإطار تصبح الرابطة الوطنية القومية هي أشبه بالرابطة القبلية أو العرقية في السابق. وهناك تطابق بين الاثنين في أحيان كثيرة، كما هو الحال في الهوية الروسية أو الفرنسية أو الأيرلندية وغيرها من الروابط التي تتطابق فيها الهوية الوطنية والعرقية. ويسعى مبدأ تقرير المصير الذي قام عليه النظام العالمي الحالي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى خلق أكبر قدر من التطابق بين الهويتين.
وهذا مصدر التباس آخر في الأدبيات العربية؛ لأن الحركة القومية العربية الحديثة تؤكد على الهوية العربية الشاملة، وتربط بين مبدأ تقرير المصير والوحدة العربية، ولهذا تستخدم الأدبيات العربية مفهوم الوطنية على خلاف الاصطلاح العالمي الذي يطابق بين الوطنية والقومية. فالدولة القومية هي نفسها الدولة الوطنية، ولكن العرب ابتدعوا مصطلح "الدولة القطرية" للدلالة على الدول العربية المتفرقة، بينما يستعمل مصطلح القومية للدلالة على الرابطة العربية الشاملة.
من الممكن أن يقال إذاً: إن جزءًا من الالتباس سببه الخلاف الأيديولوجي بين التيارات المختلفة في العالم العربي، وإصرار كل تيار على استخدام المصطلحات طبقاً لتوجهاته الإيديولوجية.
مهما يكن فيمكننا إذًا أن نشير إلى مفهوم الأمة بمعناه الإسلامي، باعتباره الرابطة التي تجمع كل المسلمين، وإن كان البعض يستخدم هذا المصطلح كمرادف للرابطة القومية أو الوطنية، كما يقال "الأمة العربية" أو "الأمة المصرية" وهو مقبول لغوياً لأن تعبير "الأمة" تاريخياً كان يحدد بقولنا " الأمة الإسلامية" أو " أمة الإسلام" . أما الرابطة الوطنية فهي تلك الرابطة التعاقدية التي تعقد بين مواطني دولة واحدة على أساس الحد الأدنى مما يجمعهم.
* هل كان للغرب الاستعماري أي تأثير في الحد من أو تعزيز أفكار القومية والوطنية في العالم الإسلامي؟
التحدي الغربي أثّر بقوة في الاتجاهات الفكرية الإسلامية حتى قبل مرحلة الاستعمار؛ فقد بدأت بعض التيارات تتأثر بالمفاهيم الغربية في هذا المجال منذ نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وكان المنطلق في كل هذا الشعور يضعف موقف الأمة الإسلامية تجاه الغرب، والسعي لخلق توازن يعيد للأمة اعتبارها. وقد رأت النخب الحاكمة والمفكرة أن نقطة البداية تكون بتقوية الدولة اقتصادياً وعسكرياً عن طريق إدخال العلوم الغربية الحديثة وتطبيق الإدارة المدنية الأوروبية. وهذا بدوره أدى إلى إدخال أفكار مثل القومية كأساس لتنظيم المجتمع وتحديد علاقته مع الدولة.
وقد كان لهذا أثر سلبي على الوحدة الإسلامية؛ لأنه أدى من جهة إلى إدخال وتبني مفاهيم تفرق ولا توحد، حيث حاول الأتراك إدخال ما سموه بـ"الرابطة العثمانية" لتوحيد شعوب الإمبراطورية على اختلاف أديانها وأعراقها، وعندما فشل هذا المسعى قاموا بإدخال مفهوم الطورانية، وهو مفهوم يقوم على الرابطة العرقية التركية، وقد سبب هذا أزمة؛ لأن كثيراً من شعوب الإمبراطورية وعلى رأسها العرب رفضوا فرض هذه الهوية المصطنعة عليهم، وقد أدى إلى ثورات مثل "الثورة العربية الكبرى" ( 1916-1918م) وتفتيت الدولة العثمانية.
وفي هذه الظروف تم أيضاً تبني مفهوم القومية العربية كرد فعل على فرض "التتريك" على شعوب الدولة العثمانية، وأيضاً لاستيعاب العرب المسيحيين الذين لا تشملهم الرابطة الإسلامية، ولكن تبني الرابطة العربية مقابل الإسلامية أدى إلى خلق مشاكل جديدة لم تكن تطرح في الإطار القديم، وعلى سبيل المثال؛ فإن الأكراد والبربر وغيرهم من المسلمين غير العرب وجدوا أنفسهم في حالة إقصاء بسبب اعتماد الهوية العربية بدلاً عن الهوية الإسلامية التي كانت توحد العرقيات المختلفة في السابق.
جرت محاولات لتفادي هذه المعضلة بالاعتماد على هوية جديدة، مثل الهوية العراقية أو اللبنانية أو الجزائرية. ومعروف أن الوحدات السياسية القائمة هي نتاج مباشر للحقبة الاستعمارية التي قسمت الدول الإسلامية على أسس تخص القوى المستعمرة، وقد لا يكون لها علاقة بواقع تلك الدول. وهذه مشكلة لم تعان منها الدول العربية والإسلامية وحدها، وإنما دول أخرى تعرضت للاستعمار في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ولا تزال تواجه صراعات حول الهوية بهذا السبب.
ولا يعني هذا أن الهويات الجديدة "مصطنعة"؛ لأن كل هوية هي في الواقع مصطنعة، ولكنها تواجه تحديات أكثر في الحفاظ عليها، بما يفرض ذلك من تنازلات ومساومات لاستيعاب التوجهات والمصالح والهويات المختلفة في القطر الواحد.
* لكن ما يلاحظ أن الطرح الإسلامي في كافة تجلياته الكلاسيكية والمعاصرة لم يكن منشغلاً بإشكالية المواطنة أو الأمة بعكس التيار الليبرالي الذي تبنى هذه الإشكالية في كثير من مرجعياته. فما قولكم؟
كما ذكرت.. فإن مصطلح المواطنة هو مصطلح غربي يعود في أصوله إلى الفكر الإغريقي والروماني، حيث كان يشير إلى ساكن المدينة المتمتع بكامل الحقوق السياسية فيها، مقابل المحرومين من هذا الحق وعلى رأسهم النساء والعبيد والأجانب. وقد تطور مفهوم المواطنة في روما الإمبراطورية ليشمل أعدادًا من النخب من خارج المدينة، ولكنه أفرغ من مضمونه السياسي، بحيث أصبحت للمواطن حقوق مدنية دون المشاركة الكاملة في السلطة كما كان الحال سابقاً.
وقد تطور مفهوم المواطنة في الفكر السياسي الحديث ليشمل العضوية الكاملة في المجتمع السياسي وما يرتبط بها من حقوق مدنية وسياسية غير قابلة للتصرف. وارتبطت هذه المفاهيم ارتباطاً وثيقاً بالتوجهات الليبرالية ومنظريها، حيث أكدت المدارس الفكرية الليبرالية على دور الفرد وحقوقه، فارتبطت المواطنة بالنزعة الفردية والحقوق الديمقراطية المعروفة اليوم.
وهذا يجعل من الطبيعي أن تكون التيارات الليبرالية العربية هي التي تتبنى الترويج لمفهوم المواطنة؛ لأن هذا يمثل لب الفكر الليبرالي وجوهر أطروحاته. وبالمقابل هناك النقد الماركسي المعروف للطرح الليبرالي للمواطنة الذي يرى فيه طرحاً أجوف؛ لأن المواطنة الليبرالية تمنح حقوقاً شكلية لعجز الفقراء والمحرومين عن ممارستها عملياً.
إشكالية المواطنة فرضت على الفكر الإسلامي الحديث بسبب واقع التجزئة والتحديات الخارجية التي فرضت وحدة الشعوب الواقعة تحت الاستعمار حتى تتصدى له جماعياً. وقد سعى الفكر الإسلامي إلى استيعاب هذه الحقائق منذ القرن التاسع عشر، حيث طرح السيد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في "العروة الوثقى" مفهوم الجامعة الشرقية التي تجمع كل شعوب الشرق المهددة بالاستعمار، بما في ذلك اليابان والصين. وقد سعى الأفغاني كذلك لاستثارة حماس المصريين والهنود بالإشارة إلى التاريخ العريق لهذه الشعوب وإنجازاتها الحضارية. ولكن الفكر الإسلامي يواجه إشكالاً في هذا الخصوص كونه معني أساساً بالجماعة الإسلامية ومشاكلها، فالدولة الإسلامية، محور التفكير الإسلامي الحديث هي أساساً دولة المؤمنين. ولكن واقع الدولة الحديثة فرض على الفكر الإسلامي التعامل العملي والنظري مع حقيقة وجود مواطنين غير مسلمين في كل الدول الإسلامية الحديثة تقريباً ، هذا إضافة إلى وجود طوائف مسلمة تختلف مذهبياً، مما يحتم أن تستوعب أية دولة عناصر لا تؤمن بالطرح الإسلامي الذي تتقدم به هذه الحركة أو تلك.
وقد بذلت الحركات وبذل المفكرون الإسلاميون جهوداً مكثفة للتعامل مع هذا التحدي أشرت إليها باستفاضة في مقالتي المنشورة بمجلة "المستقبل العربي" (العدد 264، فبراير 2001). ولكن هذه الاجتهادات لم تبلغ بعد حد الاستجابة الحاسمة لهذه الإشكالية، حيث ما يزال قبول الإسلام بحق المواطنة لغير المسلم تحكمه النظرة التقليدية التي كانت تستند إلى وجود الدولة الإسلامية المقتصرة على المسلمين، وتعتبر غير المسلمين "ضيوفاً" ينبغي أن تحسن معاملتهم دون أن يكون لهم من الأمر شيء.
*هل يمكن تحقيق قدر من التوافق بين الإسلام والوطنية؟
الفكر الإسلامي يواجه إشكالات عميقة في مجال التوفيق بين المواطنة والمفاهيم الإسلامية السائدة. نظرياً بالطبع لا يوجد ما يمنع هذا التوفيق، فالإسلام اعترف اعترافاً كاملاً بالروابط القبلية والعرقية والإقليمية، واعتبرها أساساً لتنظيم حياة المجتمع المسلم؛ بل إن الروابط القبلية والأسرية لها مكانها في صميم القانون الإسلامي كما في أحكام الميراث والقصاص والزكاة وغيرها. وقد ظل المسلمون حتى عصرنا هذا ينتسبون إلى قبائلهم ومدنهم وبلدانهم دون غضاضة.
ولكن الرابطة الأساسية التي قام عليها الفكر الإسلامي والممارسة الإسلامية التقليدية تقوم على المطابقة بين الأمة والدولة. فمفهوم المواطنة في الفكر الحديث يقابله مفهوم المسلم في الفكر الإسلامي التقليدي. فكل فرد نطق بالشهادتين أصبح مسلماً، وبالتالي عضواً كامل العضوية في الأمة الإسلامية وشريكاً كامل الشراكة في الجماعة السياسية، نظرياً على الأقل؛ فالمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، وأمرهم شورى بينهم، ولا وتوجد بينهم أسس للتفرقة على أساس اللون أوالعرق أو المنشأ.
عملياً بالطبع لم تطبق هذه المفاهيم دائماً، ولكن الإشكال الذي نشأ حديثاً جاء من انتهاء المطابقة بين الأمة والجماعة السياسية، فالحدود الجغرافية الحديثة حالت بين المسلمين والمشاركة في وحدات سياسية خارج وطنهم، بينما ضمت هذه الحدود جماعات من غير المسلمين أصبح لها حق المشاركة الكامل في القرار السياسي حسب /B]