mr.x
07-18-2007, 04:20 PM
حق الأولاد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مصل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه، وخليلة أدى الأمانة وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد فى الله حق جهادة حتى أتاه اليقين، فالهم اجزء عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وايها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء: وطبتم جميعاًوطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً وأسأل الله الكريم جل وعلا الذى جمعنا مع حضراتكم فى هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا فى الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى فى جنته، ودار مقامته إنه ولى ذلك، والقادر عليه.
أحبتى فى الله: حقوق يجب أن تعرف سلسلة منهجيه جديدة تجمع بين الداء، والدواء فتحدد الدواء من القرآن، والسنة لهذا الداء العضال الذى استشرى فى جسد الأمة ألا وهو داء الانفصام النكد بين المنهج المنير، والواقع المرير فأنا لا أعرف زماناً من الأزمنة قد انحرفت فيه الأمة عن منهج ربها، ونبيها كهذا الزمان ولا أعلم زماناً قد ضيعت فيه الأمة حقوق الإسلام كهذه الأيام فأردت بهذه السلسلة أن أذكر أمتى بهذه الحقوق الكبيرة التى ضاعت عسى أن تسمع الأمة من جديد عن الله وعن رسوله ، وأن تردد مع السابقين الأولين قولتهم الخالدة {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (285) سورة البقرة. ونحن اليوم بإذن الله جل وعلا على موعد مع اللقاء السادس من لقاءات هذه السلسلة الكريمة، وكنا قد تحدثنا فى اللقاء الماضى عن حق الوالدين، وحديثنا اليوم بتوفيق الله عن الحق المقابل لحق الوالدين ألا وهو حق الأولاد.
فأعيرونى القلوب والأسماع إن هذا الموضوع من الأهمية والخطورة بمكان أيها الأحبة: رأيت أنه من الأدب وحسن الخلق ، وأنا أتحدث اليوم عن حق الأولاد على الوالدين أن أستهل هذا الحديث بمخاطبة إخوانى وأخواتى الذين حرموا من نعمة الأولاد لأذكرهم بأن الله- عز وجل- هو الذى يملك الأمر كله، وهو الحكيم الذى لا يخطئ العليم الذى لا يجهل الرحيم الذى يملك الأمر كله، وهو الحكيم الذى لا يخطئ العليم الذى لا يجهل الرحيم الذى لا يظلم يقول تعالى: { وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (216) سورة البقرة.
فاصبر أيها الأخ الكريم على ابتلاء الله عز وجل واعلم بأن الرضا بالقضاء هو من أعظم ثمار التوكل على الله تعالى، وهو ركن من أركان الإيمان كما فى صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب – رضى الله عنه- وفيه أن جبريل سأل المصطفى أخبرنى عن الإيمان؟ فقال الحبيب :" أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره"([1]) فاصبر على قدر الله، وقضائه، وكن على يقين مطلق بأن اختيار الله عز وجل لك هو الخير، ولقد وعد الله الصابرين بخري الدنيا والآخرة قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (155، 157) سورة البقرة بل ووعد الله الصابرين وعدا عظيماً فقال جل وعلا: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (10) سورة الزمر فاصبر على اختيار الله وارض بما قسم الله، وتذكر قول رسول الله كما فى صحيح مسلم من حديث صهيب:" عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له"([2]).
وأرجو إن أخذ إخوانى وأخواتى بجميع الأسباب المادية عند الأطباء فأرجوا أن لا ينسى الإخوة والأخوات سببين من أعظم أسباب الإنجاب يغفل عنهما كثير من الناس ألا وهما: الاستغفار، والدعاء، إن الاستغفار من أعظم أسباب الإنجاب، والذرية تدبر قول رب البرية يقول تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا * مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} (9، 13) سورة نوح وما لكم لا توحدون الله حق توحيده؟ ولا تعبدون الله حق عبادته؟ ولا تقدرون الله حق قدره؟ وهو القادر على كل شئ، والمدبر لكل أمر.
يقول تعالى: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} (13) سورة نوح ثم الدعاء قال سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (186) سورة البقرة.
واذكر بدعوة عظيمة كريمة فى هذا الباب ألا وهى دعوة نبى الله زكريا على نبينا وعليه الصلاة والسلام ذلكم النبى الكريم الذى اشتعل رأسه شيباً وبلغ من الكبر عتيا بل وكانت امرأته عاقراً ومع ذلك لجأ إلى ربه جل وعلا بهذا الدعاء الكريم: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ } (89) سورة الأنبياء انظر إلى الجواب فكان الجواب بفاء الترتيب والتعقيب فقال ربنا الله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (90) سورة الأنبياء.
فلا تغفل أخي عن الاستغفار، وعن الدعاء لرب الأرض والسماء، وأسال الله بأسمائه الحسنة، وبصفاته العلا، وأمنوا على هذا الدعاء أيها الفضلاء فى هذه اللحظة أسأل الله أن تكون لحظة إجابة أن يرزق، إخواننا وأخواتنا الذين حرموا من نعمة الأولاد ، وأن يجعل ذريتهم ذرية صالحة إنه ولى ذلك والقادر عليه، ولكن كما أن الإبتلاء يكون بالحرمان فقد يكون الإبتلاء بالعطاء والامتنان.
أكرر أيها الإخوة قد يكون الإبتلاء بالحرمان وقد يكون الإبتلاء بالعطاء والأمتنان قال سبحانه وتعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (35) سورة الأنبياء وهذا هو عنصرنا الثانى بإيجاز:
الأولاد إما نعمة وإما فتنة
نعم إذا كان الأولاد الصالحين كانوا من أعظم وأجل نعم رب العالمين على الوالدين قال سبحانه: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} (46) سورة الكهف وقال سبحانه : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (14) سورة آل عمران.
فالأولاد إن كانوا من الصالحين كانوا من أجل نعم الله على الوالدين تدبر فى حياة الوالدين، بل وبعد ممات الوالدين فإن ميزان الوالدين يثقل بعد موتهما وإن درجة الوالدين ترفع عند الله بعد موتهما، وذلك باستغفار ولدهما، ودعائه لهما:
ففى صحيح مسلم أن النبى قال:" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"([3]) فالولد الصالح نعمة لوالديه فى حياة والديه وبعد ممات والديه سترى ميزانك يوم القيامة فيه من الأعمال ما لم تعمله أنت فى دنياك فمن أين هذا من أين هذا الفضل؟ ومن أين هذا الثواب؟ إنه بسبب غرسك الطيب فى الدنيا بسبب تربيتك الصالحة لأولاد صالحين تضرعوا إلى الله لك بالدعاء بعد موتك وأكثروا الاستغفار لك بعد موتك فيرفع ميزانك فترفع درجتك ويقل ميزانك بفضل الله عز وجل ثم بفضل استغفار ودعاء أولادك إليك: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (74) سورة الفرقان.
أما إن كان الأولاد أيها الأحبة: سبباً من أسباب إنحراف الوالدين عن طاعة الله فقدم الوالدان حب الأولاد على حب الله ورسوله، وقدم الوالدان حق الأولاد على حق الله ورسوله فحينئذ يكون الأولاد فتنة من أعظم الفتن على الوالدين فى الدنيا والآخرة قال تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (28) سورة الأنفال وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } وأرجو أن تتدبر هذا النداء لأهل الإيمان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (14) سورة التغابن كيف يكون الولد عدواً ؟ تدبر قول النبى فى الحديث الصحيح الذى رواه الطبرانى من حديث خولة بنت حكيم أن النبى قال: "إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة محزنة"([4]) كيف ذلك؟.
إن الولد مبخلة: أى قد يصيب الولد والديه بالبخل الشديد لشدة حرصهما على توفير المال لولدهما فيبتلى الوالدان بالبخل من أجل الولد، ويبتلى الوالدان بالجبن خوفاً على أن يتركا الولد ويبتلى الوالدان بالجهل فيفرق الوالدان فى طلب العلم، وفى السعى من أجل الولد ومحزنة فلا شك أن الوالدان قد يصاب كل واحد منهما بالحزن، والألم الشديد إذا ابتلى الولد بما يؤلمه ، وبما يحزنه.
إن قدم الوالد حب الولد على حب الله ورسوله ولذلك فى الصحيحين من حديث أنس أن النبى قال:" ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" وفى الصحيحين أيضاً من حديث أنس أنه قال:" والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"([5]).
فإن قدم الوالدان حب الأولاد على حب الله ورسوله وتعارض حق الله ورسوله، مع حق الأولاد فقدم الوالدان حق الأولاد على حق الله ورسوله كان الأولاد فى هذه الحالة فتنة من أعظم الفتن الذى يبتلى بها الوالدان فى الدنيا والآخرة.
نعم أيها الأحبة الكرام: فالأولاد إما نعمة إن كانوا صالحين وإما فتنة إن كانوا فاسدين إن كانوا منحرفين عن منهج رب العالمين، ومنهج سيد المرسلين وكانوا سبباً فى انحراف الوالدين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وبهذا التأصيل المهم يتبين لنا أن الأولاد أمانة عظيمة ومسئولية كبيرة فى أعماق الوالدين نسأل الله أن يعيننا جميعاً على هذه الأمانة إنه ولى ذلك والقادر عليه، وهذا هو عنصرنا الثالث ، والمهم من عناصر هذا اللقاء
حق الأولاد على الوالدين.
أيها الأحبة: إن الولد أمانة عظيمة، وجوهرة غالية خالية من كل نفس، وصورة تلك الجوهرة القابلة لكل شئ ينقش عليها، الولد مائل بفطرته إلى كل ما يمال به عليه فإن تعود الخير اعتاده وإن تعود الشر اعتاده، إن تربى على الفضيلة اعتادها وأصبح عنصراً نافعاً لنفسه ولدينه ولمجتمعه وإن تربى على الرذيلة، والشر أصبح عنصراً فاسداً لنفسه ولدينه، ولمجتمعه ولذلك قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (6) سورة التحريم.
وحمل النبى الأمة أو الوالدين المسئولية الكاملة فى تربية الأولاد فقال كما فى الصحيحين من حديث ابن عمر: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الإمام- يعنى الحاكم- راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع فى أهل بيته، ومسئول عن رعيته والمرأة راعية فى بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها والخادم راع فى مال سيده ومسئول عن رعيته وكلكم راع ومسئول عن رعيته"([6])**.
وتدبر هذا الحديث الذى لو وعيناه والله انخلعت القلوب من شدة الوعيد فيه ففى الصحيحين من حديث معقل بن يسار أن النبى قال: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة"([7])
ستسأل عن رعيتك إن كنت والياً ستسأل عن الرعية، إن كنت مسؤلاً فى شركة، ستسأل عن مرؤوسيك، إن كنت رب أسرة والداً فى بيت ستسأل عن رعيتك عن امرأتك وعن أولادك.
فالتربية تربية الأولاد مسئولية كبيرة وأمانة عظيمة ستسأل عنها بين يدى الله جل وعلا هى مسئولية تضامنية مشتركة بين الوالدين مسئولية تضامنية مشتركة بين الوالدين معاً فإن تخلى الوالد عن هذه المسئولية وظن أن وظيفته تتمثل فى المأكل والمشرب والملبس والمسكن فحسب ثم تخلى عن الأبوة عن النصح عن أبوة التعليم للعقيدة، والعبادة والأخلاق، وظن أن وظيفته فى البيت أنه ممثل لوزارة المالية فقط يطٌعم الأولاد فحسب.
هل فكر والد منا أيها الفضلاء وهو يقدم ألوان الطعام وألوان الفواكه لأولاده، قد يدخل الواحد منا على أولاده وهو يحمل ألواناً من الفاكهة يطعم الأولاد فهل فكر والد منا أيها الفضلاء ، وهو يطعم أولاده الفاكهة أن يجلس معهم؛ ليربط قلوبهم بخالق هذه الفاكهة؛ ليقول: انظر أيها الولد إلى هذه الفاكهة انظر إلى هذه الحبات كيف رصت بهذا الاتقان وبهذا الجمال انظر إلى فاكهة المانجو انظر إلى فاكهة العنب انظر إلى فاكهة كذا، وكذا انظر إلى هذا الطعام يا بنى هذا البرتقال هذا الليمون وهذا البطيخ وهذا المانجو وهذا العنب، كل هذه الفواكه التى اختلف طعمها واختلف لونها واختلف شكلها، خرجت من أرض واحدة، وسقيت بماء واحد فمن الذى خلقها؟ إنه الله عز وجل ليربط الوالد قلب ولده بالخالق؛ ليربى الوالد ولده على عقيدة التوحيد من أول لحظة ليشعر الوالد ولده بالمنعم، والمحسن سبحانه وتعالى.
قد نغفل عن دروس تربوية عظيمة لا تكلفنا شيئاً على الإطلاق، فإن تخلى الوالد عن التربية وانشغل بالوظيفة، بالأموال بالتجارات قد يكون الوالد معذوراً فى انشغاله للظروف الاقتصادية الطاحنة التى يعيشها كثير من الآباء وأنا لا أجهل الواقع الذى نعيش فيه ونحياه، لكن الذى يؤلم القلب ويتعب النفس إن للوالد رمق من الوقت وعاد إلى بيته يتفنن فى قتل هذا الوقت قتلاً بالجلوس أمام المباريات والمسلسلات والأفلام، مع أن جلوس الوالد وسط أولاده ولو لم يتكلم منهج تربوى فيه من عمق التربية ما فيه فكيف لو تكلم فذكر الأولاد بالله، وذكر الأولاد بحديث رسول الله، ونصح ووعظ، وسأل عن الولد وسأل عن البنت فحل إشكالاً ورسم منهجاً وبين طريقاً وحل لغزاً وأشعر الوالد أولاده بالقرب، والحنان، والرحمة كيف لو فعل الوالد ذلك يا إخوة.
قد يتألم الإنسان إذا قلت لأحدكم الآن: ما تقولون فى والد دخل يوماً إلى بيته وسحب ورقة بيضاء وخط فيها رسالة لإمراته لزوجته وقال فيها : بسم الله الرحمن الرحيم إلى زوجتى الفاضلة: السلام عليكم ورحمة الله وبعد فإنى أقدم لكى اليوم استقالتى من تربية الأولاد، فيتهم هذا الوالد فوراً بالجنون، ثم لماذا تقولين فى أم تقدم هى الأخرى مثل هذه الاستقالة لزوجها أقدم لك يا زوجى العزيز استقالتى من تربية الأولاد ، ستتهم بالجنون، بل وربما زوجها الطلاق إن هذه المسئولية الضخمة ستسأل عنها بين يدى الله عز وجل، ستسأل بين يدى الله عما استرعاك وتبدأ التربية لا بمجرد أن يوجد الولد الذى يعقل لا بل تبدأ التربية قبل الزواج.
وهل عندى ولد أربيه قبل الزواج؟ أؤكد لحضراتكم أن التربية الصحيحة تبدأ قبل الزواج وذلك باختبار الزوجة الصالحة التى ستكون أرضاً طيبة لنفسك وغرسك، تلك هى البداية المرأة التى ستعينك على تربية ولدك فالبيت قلعة من قلاع العقيدة وحصن من حصون الإسلام، أنا أؤكد لحضراتكم أن هذه القلعة، وأن هذا الحصن إن كان مهدداً من الداخل فلم نستطيع أن نقيم على الأرض للإسلام دولة، من هنا تبدأ التربية من البيت وتدعوا لأختيار الزوجة الصالحة بإعداد الأرض التى ستلقى فيها البذر والنبت:" تنكح المرأة لأربع: لجمالها، وحسبها، ومالها ، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"([8]) وفى صحيح مسلم: "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة"([9]) خير متاع لك فى الدنيا المرأة الصالحة، الزوجة الطيبة التى تعلم مسئولية التربية، قد ينشغل الوالد بعمله فتبقى الأم فى البيت مدرسة؛ لتربى الأولاد دفعاً إلى طاعة الله، وحفظ كتاب الله وإلى الأخلاق الفاضلة ثم يحرص الوالدن على غرس العقيدة الصحيحة فى قلوب الأولاد بمجرد النشأة قد يظن كثير من الآباء أن الولد لا زال صغيراً مع أن أولادنا بمجرد النشأة قد يظن كثير من الآباء أن الولد لا زال صغيراً مع أن أولادنا على قدر كبير جداً من الذكاء وإن أردت أن تتأكد من ذلك ففكر فى أسئلة طفلك الصغير ربما يحرجك ولدك بالأسئلة، إن الطفل ذكى، قلبه طاهر نقى ذكى ينقش عليه كل شئ ونحن لا ندرى، قد يقوم ولدك ابن السنتين ليقلدك فى الصلاة وأنت تصلى قد تقوم ابنتك بنت السنتين لتقلد أمها فى الخمار وفى الحجاب وهى لا تعى فالطفل ذكى صاحب قلب طاهر نقى، قابل لكل ما ينقش عليه من خير أو شر أو فضيلة أو رذيلة فلا ينبغى أن نقلل من شأن أطفالنا ومن شأن أولادنا.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مصل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه، وخليلة أدى الأمانة وبلغ الرسالة، ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد فى الله حق جهادة حتى أتاه اليقين، فالهم اجزء عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته، ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد: فحياكم الله جميعاً أيها الآباء الفضلاء، وايها الإخوة الأحباب الكرام الأعزاء: وطبتم جميعاًوطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً وأسأل الله الكريم جل وعلا الذى جمعنا مع حضراتكم فى هذا البيت الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا فى الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى فى جنته، ودار مقامته إنه ولى ذلك، والقادر عليه.
أحبتى فى الله: حقوق يجب أن تعرف سلسلة منهجيه جديدة تجمع بين الداء، والدواء فتحدد الدواء من القرآن، والسنة لهذا الداء العضال الذى استشرى فى جسد الأمة ألا وهو داء الانفصام النكد بين المنهج المنير، والواقع المرير فأنا لا أعرف زماناً من الأزمنة قد انحرفت فيه الأمة عن منهج ربها، ونبيها كهذا الزمان ولا أعلم زماناً قد ضيعت فيه الأمة حقوق الإسلام كهذه الأيام فأردت بهذه السلسلة أن أذكر أمتى بهذه الحقوق الكبيرة التى ضاعت عسى أن تسمع الأمة من جديد عن الله وعن رسوله ، وأن تردد مع السابقين الأولين قولتهم الخالدة {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (285) سورة البقرة. ونحن اليوم بإذن الله جل وعلا على موعد مع اللقاء السادس من لقاءات هذه السلسلة الكريمة، وكنا قد تحدثنا فى اللقاء الماضى عن حق الوالدين، وحديثنا اليوم بتوفيق الله عن الحق المقابل لحق الوالدين ألا وهو حق الأولاد.
فأعيرونى القلوب والأسماع إن هذا الموضوع من الأهمية والخطورة بمكان أيها الأحبة: رأيت أنه من الأدب وحسن الخلق ، وأنا أتحدث اليوم عن حق الأولاد على الوالدين أن أستهل هذا الحديث بمخاطبة إخوانى وأخواتى الذين حرموا من نعمة الأولاد لأذكرهم بأن الله- عز وجل- هو الذى يملك الأمر كله، وهو الحكيم الذى لا يخطئ العليم الذى لا يجهل الرحيم الذى يملك الأمر كله، وهو الحكيم الذى لا يخطئ العليم الذى لا يجهل الرحيم الذى لا يظلم يقول تعالى: { وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (216) سورة البقرة.
فاصبر أيها الأخ الكريم على ابتلاء الله عز وجل واعلم بأن الرضا بالقضاء هو من أعظم ثمار التوكل على الله تعالى، وهو ركن من أركان الإيمان كما فى صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب – رضى الله عنه- وفيه أن جبريل سأل المصطفى أخبرنى عن الإيمان؟ فقال الحبيب :" أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره"([1]) فاصبر على قدر الله، وقضائه، وكن على يقين مطلق بأن اختيار الله عز وجل لك هو الخير، ولقد وعد الله الصابرين بخري الدنيا والآخرة قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (155، 157) سورة البقرة بل ووعد الله الصابرين وعدا عظيماً فقال جل وعلا: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (10) سورة الزمر فاصبر على اختيار الله وارض بما قسم الله، وتذكر قول رسول الله كما فى صحيح مسلم من حديث صهيب:" عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له"([2]).
وأرجو إن أخذ إخوانى وأخواتى بجميع الأسباب المادية عند الأطباء فأرجوا أن لا ينسى الإخوة والأخوات سببين من أعظم أسباب الإنجاب يغفل عنهما كثير من الناس ألا وهما: الاستغفار، والدعاء، إن الاستغفار من أعظم أسباب الإنجاب، والذرية تدبر قول رب البرية يقول تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا * مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} (9، 13) سورة نوح وما لكم لا توحدون الله حق توحيده؟ ولا تعبدون الله حق عبادته؟ ولا تقدرون الله حق قدره؟ وهو القادر على كل شئ، والمدبر لكل أمر.
يقول تعالى: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} (13) سورة نوح ثم الدعاء قال سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (186) سورة البقرة.
واذكر بدعوة عظيمة كريمة فى هذا الباب ألا وهى دعوة نبى الله زكريا على نبينا وعليه الصلاة والسلام ذلكم النبى الكريم الذى اشتعل رأسه شيباً وبلغ من الكبر عتيا بل وكانت امرأته عاقراً ومع ذلك لجأ إلى ربه جل وعلا بهذا الدعاء الكريم: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ } (89) سورة الأنبياء انظر إلى الجواب فكان الجواب بفاء الترتيب والتعقيب فقال ربنا الله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (90) سورة الأنبياء.
فلا تغفل أخي عن الاستغفار، وعن الدعاء لرب الأرض والسماء، وأسال الله بأسمائه الحسنة، وبصفاته العلا، وأمنوا على هذا الدعاء أيها الفضلاء فى هذه اللحظة أسأل الله أن تكون لحظة إجابة أن يرزق، إخواننا وأخواتنا الذين حرموا من نعمة الأولاد ، وأن يجعل ذريتهم ذرية صالحة إنه ولى ذلك والقادر عليه، ولكن كما أن الإبتلاء يكون بالحرمان فقد يكون الإبتلاء بالعطاء والامتنان.
أكرر أيها الإخوة قد يكون الإبتلاء بالحرمان وقد يكون الإبتلاء بالعطاء والأمتنان قال سبحانه وتعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (35) سورة الأنبياء وهذا هو عنصرنا الثانى بإيجاز:
الأولاد إما نعمة وإما فتنة
نعم إذا كان الأولاد الصالحين كانوا من أعظم وأجل نعم رب العالمين على الوالدين قال سبحانه: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} (46) سورة الكهف وقال سبحانه : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (14) سورة آل عمران.
فالأولاد إن كانوا من الصالحين كانوا من أجل نعم الله على الوالدين تدبر فى حياة الوالدين، بل وبعد ممات الوالدين فإن ميزان الوالدين يثقل بعد موتهما وإن درجة الوالدين ترفع عند الله بعد موتهما، وذلك باستغفار ولدهما، ودعائه لهما:
ففى صحيح مسلم أن النبى قال:" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"([3]) فالولد الصالح نعمة لوالديه فى حياة والديه وبعد ممات والديه سترى ميزانك يوم القيامة فيه من الأعمال ما لم تعمله أنت فى دنياك فمن أين هذا من أين هذا الفضل؟ ومن أين هذا الثواب؟ إنه بسبب غرسك الطيب فى الدنيا بسبب تربيتك الصالحة لأولاد صالحين تضرعوا إلى الله لك بالدعاء بعد موتك وأكثروا الاستغفار لك بعد موتك فيرفع ميزانك فترفع درجتك ويقل ميزانك بفضل الله عز وجل ثم بفضل استغفار ودعاء أولادك إليك: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} (74) سورة الفرقان.
أما إن كان الأولاد أيها الأحبة: سبباً من أسباب إنحراف الوالدين عن طاعة الله فقدم الوالدان حب الأولاد على حب الله ورسوله، وقدم الوالدان حق الأولاد على حق الله ورسوله فحينئذ يكون الأولاد فتنة من أعظم الفتن على الوالدين فى الدنيا والآخرة قال تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (28) سورة الأنفال وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } وأرجو أن تتدبر هذا النداء لأهل الإيمان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (14) سورة التغابن كيف يكون الولد عدواً ؟ تدبر قول النبى فى الحديث الصحيح الذى رواه الطبرانى من حديث خولة بنت حكيم أن النبى قال: "إن الولد مبخلة مجبنة مجهلة محزنة"([4]) كيف ذلك؟.
إن الولد مبخلة: أى قد يصيب الولد والديه بالبخل الشديد لشدة حرصهما على توفير المال لولدهما فيبتلى الوالدان بالبخل من أجل الولد، ويبتلى الوالدان بالجبن خوفاً على أن يتركا الولد ويبتلى الوالدان بالجهل فيفرق الوالدان فى طلب العلم، وفى السعى من أجل الولد ومحزنة فلا شك أن الوالدان قد يصاب كل واحد منهما بالحزن، والألم الشديد إذا ابتلى الولد بما يؤلمه ، وبما يحزنه.
إن قدم الوالد حب الولد على حب الله ورسوله ولذلك فى الصحيحين من حديث أنس أن النبى قال:" ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" وفى الصحيحين أيضاً من حديث أنس أنه قال:" والذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"([5]).
فإن قدم الوالدان حب الأولاد على حب الله ورسوله وتعارض حق الله ورسوله، مع حق الأولاد فقدم الوالدان حق الأولاد على حق الله ورسوله كان الأولاد فى هذه الحالة فتنة من أعظم الفتن الذى يبتلى بها الوالدان فى الدنيا والآخرة.
نعم أيها الأحبة الكرام: فالأولاد إما نعمة إن كانوا صالحين وإما فتنة إن كانوا فاسدين إن كانوا منحرفين عن منهج رب العالمين، ومنهج سيد المرسلين وكانوا سبباً فى انحراف الوالدين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وبهذا التأصيل المهم يتبين لنا أن الأولاد أمانة عظيمة ومسئولية كبيرة فى أعماق الوالدين نسأل الله أن يعيننا جميعاً على هذه الأمانة إنه ولى ذلك والقادر عليه، وهذا هو عنصرنا الثالث ، والمهم من عناصر هذا اللقاء
حق الأولاد على الوالدين.
أيها الأحبة: إن الولد أمانة عظيمة، وجوهرة غالية خالية من كل نفس، وصورة تلك الجوهرة القابلة لكل شئ ينقش عليها، الولد مائل بفطرته إلى كل ما يمال به عليه فإن تعود الخير اعتاده وإن تعود الشر اعتاده، إن تربى على الفضيلة اعتادها وأصبح عنصراً نافعاً لنفسه ولدينه ولمجتمعه وإن تربى على الرذيلة، والشر أصبح عنصراً فاسداً لنفسه ولدينه، ولمجتمعه ولذلك قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (6) سورة التحريم.
وحمل النبى الأمة أو الوالدين المسئولية الكاملة فى تربية الأولاد فقال كما فى الصحيحين من حديث ابن عمر: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الإمام- يعنى الحاكم- راع ومسئول عن رعيته ، والرجل راع فى أهل بيته، ومسئول عن رعيته والمرأة راعية فى بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها والخادم راع فى مال سيده ومسئول عن رعيته وكلكم راع ومسئول عن رعيته"([6])**.
وتدبر هذا الحديث الذى لو وعيناه والله انخلعت القلوب من شدة الوعيد فيه ففى الصحيحين من حديث معقل بن يسار أن النبى قال: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة"([7])
ستسأل عن رعيتك إن كنت والياً ستسأل عن الرعية، إن كنت مسؤلاً فى شركة، ستسأل عن مرؤوسيك، إن كنت رب أسرة والداً فى بيت ستسأل عن رعيتك عن امرأتك وعن أولادك.
فالتربية تربية الأولاد مسئولية كبيرة وأمانة عظيمة ستسأل عنها بين يدى الله جل وعلا هى مسئولية تضامنية مشتركة بين الوالدين مسئولية تضامنية مشتركة بين الوالدين معاً فإن تخلى الوالد عن هذه المسئولية وظن أن وظيفته تتمثل فى المأكل والمشرب والملبس والمسكن فحسب ثم تخلى عن الأبوة عن النصح عن أبوة التعليم للعقيدة، والعبادة والأخلاق، وظن أن وظيفته فى البيت أنه ممثل لوزارة المالية فقط يطٌعم الأولاد فحسب.
هل فكر والد منا أيها الفضلاء وهو يقدم ألوان الطعام وألوان الفواكه لأولاده، قد يدخل الواحد منا على أولاده وهو يحمل ألواناً من الفاكهة يطعم الأولاد فهل فكر والد منا أيها الفضلاء ، وهو يطعم أولاده الفاكهة أن يجلس معهم؛ ليربط قلوبهم بخالق هذه الفاكهة؛ ليقول: انظر أيها الولد إلى هذه الفاكهة انظر إلى هذه الحبات كيف رصت بهذا الاتقان وبهذا الجمال انظر إلى فاكهة المانجو انظر إلى فاكهة العنب انظر إلى فاكهة كذا، وكذا انظر إلى هذا الطعام يا بنى هذا البرتقال هذا الليمون وهذا البطيخ وهذا المانجو وهذا العنب، كل هذه الفواكه التى اختلف طعمها واختلف لونها واختلف شكلها، خرجت من أرض واحدة، وسقيت بماء واحد فمن الذى خلقها؟ إنه الله عز وجل ليربط الوالد قلب ولده بالخالق؛ ليربى الوالد ولده على عقيدة التوحيد من أول لحظة ليشعر الوالد ولده بالمنعم، والمحسن سبحانه وتعالى.
قد نغفل عن دروس تربوية عظيمة لا تكلفنا شيئاً على الإطلاق، فإن تخلى الوالد عن التربية وانشغل بالوظيفة، بالأموال بالتجارات قد يكون الوالد معذوراً فى انشغاله للظروف الاقتصادية الطاحنة التى يعيشها كثير من الآباء وأنا لا أجهل الواقع الذى نعيش فيه ونحياه، لكن الذى يؤلم القلب ويتعب النفس إن للوالد رمق من الوقت وعاد إلى بيته يتفنن فى قتل هذا الوقت قتلاً بالجلوس أمام المباريات والمسلسلات والأفلام، مع أن جلوس الوالد وسط أولاده ولو لم يتكلم منهج تربوى فيه من عمق التربية ما فيه فكيف لو تكلم فذكر الأولاد بالله، وذكر الأولاد بحديث رسول الله، ونصح ووعظ، وسأل عن الولد وسأل عن البنت فحل إشكالاً ورسم منهجاً وبين طريقاً وحل لغزاً وأشعر الوالد أولاده بالقرب، والحنان، والرحمة كيف لو فعل الوالد ذلك يا إخوة.
قد يتألم الإنسان إذا قلت لأحدكم الآن: ما تقولون فى والد دخل يوماً إلى بيته وسحب ورقة بيضاء وخط فيها رسالة لإمراته لزوجته وقال فيها : بسم الله الرحمن الرحيم إلى زوجتى الفاضلة: السلام عليكم ورحمة الله وبعد فإنى أقدم لكى اليوم استقالتى من تربية الأولاد، فيتهم هذا الوالد فوراً بالجنون، ثم لماذا تقولين فى أم تقدم هى الأخرى مثل هذه الاستقالة لزوجها أقدم لك يا زوجى العزيز استقالتى من تربية الأولاد ، ستتهم بالجنون، بل وربما زوجها الطلاق إن هذه المسئولية الضخمة ستسأل عنها بين يدى الله عز وجل، ستسأل بين يدى الله عما استرعاك وتبدأ التربية لا بمجرد أن يوجد الولد الذى يعقل لا بل تبدأ التربية قبل الزواج.
وهل عندى ولد أربيه قبل الزواج؟ أؤكد لحضراتكم أن التربية الصحيحة تبدأ قبل الزواج وذلك باختبار الزوجة الصالحة التى ستكون أرضاً طيبة لنفسك وغرسك، تلك هى البداية المرأة التى ستعينك على تربية ولدك فالبيت قلعة من قلاع العقيدة وحصن من حصون الإسلام، أنا أؤكد لحضراتكم أن هذه القلعة، وأن هذا الحصن إن كان مهدداً من الداخل فلم نستطيع أن نقيم على الأرض للإسلام دولة، من هنا تبدأ التربية من البيت وتدعوا لأختيار الزوجة الصالحة بإعداد الأرض التى ستلقى فيها البذر والنبت:" تنكح المرأة لأربع: لجمالها، وحسبها، ومالها ، ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"([8]) وفى صحيح مسلم: "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة"([9]) خير متاع لك فى الدنيا المرأة الصالحة، الزوجة الطيبة التى تعلم مسئولية التربية، قد ينشغل الوالد بعمله فتبقى الأم فى البيت مدرسة؛ لتربى الأولاد دفعاً إلى طاعة الله، وحفظ كتاب الله وإلى الأخلاق الفاضلة ثم يحرص الوالدن على غرس العقيدة الصحيحة فى قلوب الأولاد بمجرد النشأة قد يظن كثير من الآباء أن الولد لا زال صغيراً مع أن أولادنا بمجرد النشأة قد يظن كثير من الآباء أن الولد لا زال صغيراً مع أن أولادنا على قدر كبير جداً من الذكاء وإن أردت أن تتأكد من ذلك ففكر فى أسئلة طفلك الصغير ربما يحرجك ولدك بالأسئلة، إن الطفل ذكى، قلبه طاهر نقى ذكى ينقش عليه كل شئ ونحن لا ندرى، قد يقوم ولدك ابن السنتين ليقلدك فى الصلاة وأنت تصلى قد تقوم ابنتك بنت السنتين لتقلد أمها فى الخمار وفى الحجاب وهى لا تعى فالطفل ذكى صاحب قلب طاهر نقى، قابل لكل ما ينقش عليه من خير أو شر أو فضيلة أو رذيلة فلا ينبغى أن نقلل من شأن أطفالنا ومن شأن أولادنا.