بلسم الروح
03-15-2008, 09:50 PM
ظاهرة الواشي والنمام في الأدب الشعبي العراقي
كتابات - د.هاشم العقابي
في ادبنا الشعبي العراقي، وفي مجال الشعر والأغنية على وجه التحديد، هناك ظواهر تستحق التوقف عندها ودراستها. هذه الظواهر تكاد تنحصر في ادبنا الشعبي ولا نجد لها مثيلا في آداب الشعوب الأخرى. ما يميز هذه الظواهر انها صارت متأصلة بحياة شعبنا العراقي بعد ان القت بظلالها على آمال وافكار هذا الشعب وطبيعته التكوينية. لا عجب في هذا لأن الأدب الشعبي يمثل، بحد ذاته، ظاهرة اجتماعية ابداعية اسهمت في تكوينها شحنات النفس الشعبية العفوية التي اعتمدت لغة الشعب المحكية وسيلة للتعبير عن همومها وتطلعاتها وانفعالاتها. لقد اختار الانسان العراقي لهجته الشعبية للتعبير عن همومه واصواته الداخلية لانه اكتشف بفطرته النقية انها هي الأقدر على ايصال صوته من خلال اغان وترنيمات ابداعية.
من الظواهر التي تستحق ان نقف عندها هي تلك الشخصيات التي جاء ذكرها في الكثير من الاغاني والقصائد الشعبية وفي مقدمتها تقف شخصية الواشي أو النمام، التي اتخذت اسماء أخرى منها الشامت والعاذل والعريضي الى آخره من التسميات التي تصب في معنى واحد وهو ذلك الشخص الظالم الذي يقلب احلام العاشقين الى كوابيس، وهو نفسه الذي يقلب ايام العاشقين جحيما ولياليهم عذابا مريرا، وهو تلك اليد القاسية التي تسهم في قلب الابتسامة الى دمعة مليئة باللوعة والحسرات. هذه الشخصية الغريبة الأطوار هي مصدر الأذى الابدي الذي ملأ الأغنية الشعبية حزنا وألما. انها ظاهرة تلفت النظر بحق، وتطرح سؤالا ضروريا وهو: مَن يا ترى وراء خلق تلك الشخصية التي هي الأقوى دائما في معادلة الصراع الصعب بين المحبين واحلامهم وامانيهم؟
في دراستها للأغنية العراقية، تربط الشاعرة العراقية نازك الملائكة* بين نشأة هذه الشخصية واحدى الحكايات التي سمعناها في طفولتنا عن تلك الفتاة اليتيمة التي عثرت في تجوالها على امير نائم نوماً دائماً، وقد حكم القدر الا ينقذه من نومه الا فتاة ترضى ان تواصل السهر كل ليلة سبع سنين تروّح له خلالها بمروحة مسحورة. لقد احبت الفتاة هذا الامير فسهرت طوال تلك السنين تروّح له فيها حتى دنت ساعة استفاقته. وهنا غلب النعاس على الفتاة الساهرة في الدقائق الأخيرة فسرقتها الغفوة. وفي لحظة غفوتها برزت غريمة قبيحة الشكل مجهولة انتزعت المروحة من يدها وروّحت للأمير في الدقائق الأخيرة من سباته، وحين استفاق الأمير ظن انها هي التي انقذته فنزوجها. واستفاقت اليتيمة (بنت الخايبة) فوجدت ان كل تعبها وسهرها قد ضاع.
هذه الحكاية الاسطورية التي قد تبدو للبعض ساذجة وسطحية، تراها نازك الملائكة اعمق مما تبدو. فهي ترى لو دققنا في موقف اليتيمة وحللنا مشاعرها لوجدناها تتصل بحياتنا المعاصرة في العراق اتصالا وثيقا. اننا كلنا هذه الفتاة اليتيمة ، وشخصية الغريمة القبيحة المجهولة تملأ حياتنا وتنتصب شامخة في كل اغنية من اغانينا ، سواء منها ما تردد على شطآن دجلة والفرات والأهوار في جنوب العراق، او ما كتب في المدن.
شخصية الغريمة لا يعني، بالضرورة، انها تتخذ شكل فتاة ذات مروحة، انما قد تلبس ثيابا شعبية من حياتنا المعاصرة. فنحن قد نجدها متخفية في ثوب العذول أو اللائم او الشامت أو الواشي الذي يعكر على المحب سعادته بنقل اخباره الى حيث يجب ان لا تنقل. وقد تختفي في شخصية "حافر البير" او تتسلل للأهل فتهيمن على قلوبهم وتملأها قسوة بعد ان كانت مليئة بالرحمة ليصبحوا هم "هلي يا ظلام هلي". نعم انهم ظلام، أ وليس هم الذين حرموا الحبيب من حبيبته؟ فيا ترى ما هو الفرق بينهم وبين تلك الغريمة المجهولة؟
امتلأ المأثور الغتائي الشعبي بصور شتى لهذا الكائن العجيب الذي لوّن دنيا العاشقين الحالمة بلون اسود يائس انعكس على اغنياتهم فجاءت مليئة بالحزن والويلات لتنساب على حافات السواقي واطراف الحقول وتحت ظلال البيادر منكسرة غارقة بالدموع. ومثلما اثقلت الآلام والخيبات التي سببها الوشاة و(العريضية) والنمامون كاهل الانسان العراقي الشعبي ، لكنها، في الوقت نفسه، منحته فرصة للتعبير عن تلك الآلام والأحزان تعبير مبدعا وخلاقا. فلقد حلق خيال الانسان العاشق لتصوير هذه الشخصية بكل ما تيسر له من مساحات نفسية واجتماعية اعانته على احاطتها بصور عجيبة من الخيال الشعبي الذي يصل احيانا حد الخيال الاسطوري. هنا ساتطرق الى بعض نماذج من تلك الابداعات التي جعلت من شخصية الوشاة والنمامين والشامتين شخصية كبرى في الاغنية العراقية.
لو أخذنا "الدارمي" وهو لون من الوان الشعر الغنائي يشكل العمود الفقري لجميع النصوص الغنائية الشعبية العراقية في الريف او في الحضر، لوجدناه حافلا بحضور تلك الشخصيات وما يحملونه بدواخلهم من حقد دفين على الانسان العراقي العاشق والحالم.
فهذه تنذر حبيبها أن لا يأتي مرة أخرى فلقد نجح الواشي والنمام في التسلل لدارها، فياله من حرمان:
خوية أمي ما ترضاش لا تمر بينه
الواشــي والنــمام ياخذ حچينه
وما أصعب على المحب ان ينحني وينكسر اما هذا الشمت اللعين:
شامت وگف بالباب حايـر شگلـه
اتوچـه عالمكسـور لو جرحي اشله
اما هذه الحبيبة، فترفض حتى الـ (أحّاه) حينما تتوجع لتحرم الشامت المترصد من الارتياح حتى وان كان الشامت هو الوحيد الذي يمتلك الدواء:
بطـلت ماگـوليش من جرحي أحـّاه
چي دوّرت ولگيت عد شامتـي ادواه
عاشقة أخرى لاذت بحسراتها وتحملت كل العذابات النفسية من اجل ان لا يشعر هذا الشامت بانينها:
آنه أون والحسرات ايـونـن ويـاي
كل هـذا ما خلّيت شامت درى بهاي
هذا عراقي آخر يعمل جاهدا على ان يمشي باعتدال رغم نحوله. لا لشيء، الا خوفا من الشامتين الذين يراهم اشد وطأة عليه من زمنه الرديء:
اتجلـد بممشـاي ناحل ترانـي
خوفي من الشمات مو من زماني
ويبقى الواشي هو صاحب القدرة الهدامة العجيبة فهو القادر دوما على ان يهدم بيوم واحد ما بنته الحبيبة بسنين، فتعاتب المسلمين:
ابني وادگ بالساس صار اثنعش عـام
هدمه الواشي بيوم خل ترضة الاسلام
وما اصعب من يقع تحت (ولية) الشمات التي هي مثل (ولية المخانيث) أو الأنذال التي نراها هذه الأيام:
لا تنشد اعله هواك الفاتـه فاتـه
يرگص چذب خلاه حچي الشماته
يطول الحديث وتكثر النماذج ويتبارى العشاق في طرح همومهم ليروا من هو الأعمق جرحا والأكثر ابتلاء بهؤلاء الوشاة والشامتين. هنا نموذج لحوار بين هؤلاء العشاق المبتلين:
يقول الأول:
شماتي مو شمات شماتـي شمـات
بالگبر ويصيحون حي بعده لو مات
يجيبه الثاني:
شماتـي مو شمات شماتي محنه
عالگبر ويصيحون ما تم فرحنه
الثالث يحاول ابم يبين لهما انه ما يزال في وضع اتعس منهما، من حيث عدد شامتيه، فيقول:
شماتي مو شمات شماتي تسعـه
والعاشر زغيرون يومي باصبعه
بعض العاشقات يعرفن علاج الواشي فيتصرفن بحذر معه، لأنه كاللص المتخصص في التنصت وسرقة احلام المحبين، فها هي تحذرالآخرين وتعلمهم فن التعامل مع هذا الكائب الحاقد:
الواشي اجانه بليل سامعله چلمه
خلوه يطگ ويموت لحّد يعلمـه
تظل المصيبة الأدهى والأمر هي حين يلتحق الأهل بمعسكر الوشاة والشامتين، فيالها من حاٍل حال هذه الفتاة وهي تكتشف ان امها شمتت بها ايضا:
امنيـن إجت يا ناس هاي البليه
حتى امي ويا اعداي شمتانه بيه
اما هذه فبلوتها عظيمة، اذ اكتشفت حبيبها كان هو الآخر شامتا، فما تجد غير ان تنادي على كل الشماتين لتكشف لهم الفضيحة:
التمـوا يالشمـات كلكم واگلكم
الچنت ازامط بيه شامت مثلكم
وينفذ صبر هذه الحبيبة التي لا نجد اماها، وهي تصارع هذا الكائن الخرافي، غير ان تلجأ الى الله داعية ان يصيب الواشي بالعمى كي تقوده بيدها الى المصير الذي تريده:
وين الله ابو الحوبات يعملها جـودة
كون الوشاني ويـاه اعمى واگوده
حقيقة سيطول بنا الحديث ولا تكفينا صفحات وصفحات لو استعرضنا كل ما جاء في "الدارمي" عن هذه الشخصيات العدوانية الحاضرة في كل صغيرة وكبيرة. لكن ساختم ببيت "الدارمي" التالي الذي لجأت به هذه العراقية العاشقة المتمردة الى التحدي. لقد ملت من هذا الهروب والانكسار المستمر أما النمام. فان كان قد اعلنها حربا فليتقدم:
هـذا آنه يالنمام كون الك عتبه
محد يگص الراس غير المرچبـه
والأبوذية، ذلك اللون الشعري الغنائي العذب، لم تغفل هي الأخرى دورة الوشاة والشمات والنمانين والعذال. لقد احتلت هذه الشخصيات موقعا متميزا في الابوذية العراقية. فما اكثر ما سمعنا من توجعات وصرخات من طعنات هذا العاذل او ذاك الواشي. في المنوذج التالي يرى هذا الانسان العراقي المعذب بسياط العذال ان العاذل قد يكون كل شيء لكن مستحيل ان يكون مسلما او بنتسب للإسلام. فمن أين يكون اذن؟
العـاذل موش مسلم مرواني
حرمني شوف ولفي مرواني
مـره اتبع ضعنهم مرواني
مره انحب ومره اصفج بديه
اما في النموذج الآتي من الأبوذية، فاننا نجد صاحبه قد اطلق العنان لمخيلته ليذهب ابعد من البعيد في تصوره للواشي، فيمنحه قدرة سحرية اثيرية عجيبة. انه يرى ان لا خلاص من هذا الواشي حتى لو هرب منه الى آخر نقطة في هذه الدنيا، فما اروع قوله:
اريد اگعد على دربه وتانـي
الواشي من انهجم بيته وتاني
اشردت منه يخلگ الله وتاني
لگيته بحضرموت يخم عليه
ختاما، ومن خلال تلك النماذج الحية، لا اجد غير ان اتفق تماما مع رأي الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة التي ترى بانه من الممكن نقل هذه المعادلة، التي يقف فيها المحب اما نذالات الواشي والشامت والنمام، الى معادلة اوسع تقف فيها الحياة باندفاعها وحرارتها وتدفقها، في مقابل سلوك اجتماعي صارم. ان المجتمع العراقي وللأسف، يحكم وبلا تردد لصالح الغريمة المجهولة، وما عطفه على الفتاة اليتيمة الا مجرد كلمات ومجاملات. ولا ندري بعد، اذا كانت الاسطورة تستطيع ان تتحقق في ايامنا هذه فيفطن الأمير الى المؤامرة ويذهب باحثا عن فتاته التي انقذته حقا.
كتابات - د.هاشم العقابي
في ادبنا الشعبي العراقي، وفي مجال الشعر والأغنية على وجه التحديد، هناك ظواهر تستحق التوقف عندها ودراستها. هذه الظواهر تكاد تنحصر في ادبنا الشعبي ولا نجد لها مثيلا في آداب الشعوب الأخرى. ما يميز هذه الظواهر انها صارت متأصلة بحياة شعبنا العراقي بعد ان القت بظلالها على آمال وافكار هذا الشعب وطبيعته التكوينية. لا عجب في هذا لأن الأدب الشعبي يمثل، بحد ذاته، ظاهرة اجتماعية ابداعية اسهمت في تكوينها شحنات النفس الشعبية العفوية التي اعتمدت لغة الشعب المحكية وسيلة للتعبير عن همومها وتطلعاتها وانفعالاتها. لقد اختار الانسان العراقي لهجته الشعبية للتعبير عن همومه واصواته الداخلية لانه اكتشف بفطرته النقية انها هي الأقدر على ايصال صوته من خلال اغان وترنيمات ابداعية.
من الظواهر التي تستحق ان نقف عندها هي تلك الشخصيات التي جاء ذكرها في الكثير من الاغاني والقصائد الشعبية وفي مقدمتها تقف شخصية الواشي أو النمام، التي اتخذت اسماء أخرى منها الشامت والعاذل والعريضي الى آخره من التسميات التي تصب في معنى واحد وهو ذلك الشخص الظالم الذي يقلب احلام العاشقين الى كوابيس، وهو نفسه الذي يقلب ايام العاشقين جحيما ولياليهم عذابا مريرا، وهو تلك اليد القاسية التي تسهم في قلب الابتسامة الى دمعة مليئة باللوعة والحسرات. هذه الشخصية الغريبة الأطوار هي مصدر الأذى الابدي الذي ملأ الأغنية الشعبية حزنا وألما. انها ظاهرة تلفت النظر بحق، وتطرح سؤالا ضروريا وهو: مَن يا ترى وراء خلق تلك الشخصية التي هي الأقوى دائما في معادلة الصراع الصعب بين المحبين واحلامهم وامانيهم؟
في دراستها للأغنية العراقية، تربط الشاعرة العراقية نازك الملائكة* بين نشأة هذه الشخصية واحدى الحكايات التي سمعناها في طفولتنا عن تلك الفتاة اليتيمة التي عثرت في تجوالها على امير نائم نوماً دائماً، وقد حكم القدر الا ينقذه من نومه الا فتاة ترضى ان تواصل السهر كل ليلة سبع سنين تروّح له خلالها بمروحة مسحورة. لقد احبت الفتاة هذا الامير فسهرت طوال تلك السنين تروّح له فيها حتى دنت ساعة استفاقته. وهنا غلب النعاس على الفتاة الساهرة في الدقائق الأخيرة فسرقتها الغفوة. وفي لحظة غفوتها برزت غريمة قبيحة الشكل مجهولة انتزعت المروحة من يدها وروّحت للأمير في الدقائق الأخيرة من سباته، وحين استفاق الأمير ظن انها هي التي انقذته فنزوجها. واستفاقت اليتيمة (بنت الخايبة) فوجدت ان كل تعبها وسهرها قد ضاع.
هذه الحكاية الاسطورية التي قد تبدو للبعض ساذجة وسطحية، تراها نازك الملائكة اعمق مما تبدو. فهي ترى لو دققنا في موقف اليتيمة وحللنا مشاعرها لوجدناها تتصل بحياتنا المعاصرة في العراق اتصالا وثيقا. اننا كلنا هذه الفتاة اليتيمة ، وشخصية الغريمة القبيحة المجهولة تملأ حياتنا وتنتصب شامخة في كل اغنية من اغانينا ، سواء منها ما تردد على شطآن دجلة والفرات والأهوار في جنوب العراق، او ما كتب في المدن.
شخصية الغريمة لا يعني، بالضرورة، انها تتخذ شكل فتاة ذات مروحة، انما قد تلبس ثيابا شعبية من حياتنا المعاصرة. فنحن قد نجدها متخفية في ثوب العذول أو اللائم او الشامت أو الواشي الذي يعكر على المحب سعادته بنقل اخباره الى حيث يجب ان لا تنقل. وقد تختفي في شخصية "حافر البير" او تتسلل للأهل فتهيمن على قلوبهم وتملأها قسوة بعد ان كانت مليئة بالرحمة ليصبحوا هم "هلي يا ظلام هلي". نعم انهم ظلام، أ وليس هم الذين حرموا الحبيب من حبيبته؟ فيا ترى ما هو الفرق بينهم وبين تلك الغريمة المجهولة؟
امتلأ المأثور الغتائي الشعبي بصور شتى لهذا الكائن العجيب الذي لوّن دنيا العاشقين الحالمة بلون اسود يائس انعكس على اغنياتهم فجاءت مليئة بالحزن والويلات لتنساب على حافات السواقي واطراف الحقول وتحت ظلال البيادر منكسرة غارقة بالدموع. ومثلما اثقلت الآلام والخيبات التي سببها الوشاة و(العريضية) والنمامون كاهل الانسان العراقي الشعبي ، لكنها، في الوقت نفسه، منحته فرصة للتعبير عن تلك الآلام والأحزان تعبير مبدعا وخلاقا. فلقد حلق خيال الانسان العاشق لتصوير هذه الشخصية بكل ما تيسر له من مساحات نفسية واجتماعية اعانته على احاطتها بصور عجيبة من الخيال الشعبي الذي يصل احيانا حد الخيال الاسطوري. هنا ساتطرق الى بعض نماذج من تلك الابداعات التي جعلت من شخصية الوشاة والنمامين والشامتين شخصية كبرى في الاغنية العراقية.
لو أخذنا "الدارمي" وهو لون من الوان الشعر الغنائي يشكل العمود الفقري لجميع النصوص الغنائية الشعبية العراقية في الريف او في الحضر، لوجدناه حافلا بحضور تلك الشخصيات وما يحملونه بدواخلهم من حقد دفين على الانسان العراقي العاشق والحالم.
فهذه تنذر حبيبها أن لا يأتي مرة أخرى فلقد نجح الواشي والنمام في التسلل لدارها، فياله من حرمان:
خوية أمي ما ترضاش لا تمر بينه
الواشــي والنــمام ياخذ حچينه
وما أصعب على المحب ان ينحني وينكسر اما هذا الشمت اللعين:
شامت وگف بالباب حايـر شگلـه
اتوچـه عالمكسـور لو جرحي اشله
اما هذه الحبيبة، فترفض حتى الـ (أحّاه) حينما تتوجع لتحرم الشامت المترصد من الارتياح حتى وان كان الشامت هو الوحيد الذي يمتلك الدواء:
بطـلت ماگـوليش من جرحي أحـّاه
چي دوّرت ولگيت عد شامتـي ادواه
عاشقة أخرى لاذت بحسراتها وتحملت كل العذابات النفسية من اجل ان لا يشعر هذا الشامت بانينها:
آنه أون والحسرات ايـونـن ويـاي
كل هـذا ما خلّيت شامت درى بهاي
هذا عراقي آخر يعمل جاهدا على ان يمشي باعتدال رغم نحوله. لا لشيء، الا خوفا من الشامتين الذين يراهم اشد وطأة عليه من زمنه الرديء:
اتجلـد بممشـاي ناحل ترانـي
خوفي من الشمات مو من زماني
ويبقى الواشي هو صاحب القدرة الهدامة العجيبة فهو القادر دوما على ان يهدم بيوم واحد ما بنته الحبيبة بسنين، فتعاتب المسلمين:
ابني وادگ بالساس صار اثنعش عـام
هدمه الواشي بيوم خل ترضة الاسلام
وما اصعب من يقع تحت (ولية) الشمات التي هي مثل (ولية المخانيث) أو الأنذال التي نراها هذه الأيام:
لا تنشد اعله هواك الفاتـه فاتـه
يرگص چذب خلاه حچي الشماته
يطول الحديث وتكثر النماذج ويتبارى العشاق في طرح همومهم ليروا من هو الأعمق جرحا والأكثر ابتلاء بهؤلاء الوشاة والشامتين. هنا نموذج لحوار بين هؤلاء العشاق المبتلين:
يقول الأول:
شماتي مو شمات شماتـي شمـات
بالگبر ويصيحون حي بعده لو مات
يجيبه الثاني:
شماتـي مو شمات شماتي محنه
عالگبر ويصيحون ما تم فرحنه
الثالث يحاول ابم يبين لهما انه ما يزال في وضع اتعس منهما، من حيث عدد شامتيه، فيقول:
شماتي مو شمات شماتي تسعـه
والعاشر زغيرون يومي باصبعه
بعض العاشقات يعرفن علاج الواشي فيتصرفن بحذر معه، لأنه كاللص المتخصص في التنصت وسرقة احلام المحبين، فها هي تحذرالآخرين وتعلمهم فن التعامل مع هذا الكائب الحاقد:
الواشي اجانه بليل سامعله چلمه
خلوه يطگ ويموت لحّد يعلمـه
تظل المصيبة الأدهى والأمر هي حين يلتحق الأهل بمعسكر الوشاة والشامتين، فيالها من حاٍل حال هذه الفتاة وهي تكتشف ان امها شمتت بها ايضا:
امنيـن إجت يا ناس هاي البليه
حتى امي ويا اعداي شمتانه بيه
اما هذه فبلوتها عظيمة، اذ اكتشفت حبيبها كان هو الآخر شامتا، فما تجد غير ان تنادي على كل الشماتين لتكشف لهم الفضيحة:
التمـوا يالشمـات كلكم واگلكم
الچنت ازامط بيه شامت مثلكم
وينفذ صبر هذه الحبيبة التي لا نجد اماها، وهي تصارع هذا الكائن الخرافي، غير ان تلجأ الى الله داعية ان يصيب الواشي بالعمى كي تقوده بيدها الى المصير الذي تريده:
وين الله ابو الحوبات يعملها جـودة
كون الوشاني ويـاه اعمى واگوده
حقيقة سيطول بنا الحديث ولا تكفينا صفحات وصفحات لو استعرضنا كل ما جاء في "الدارمي" عن هذه الشخصيات العدوانية الحاضرة في كل صغيرة وكبيرة. لكن ساختم ببيت "الدارمي" التالي الذي لجأت به هذه العراقية العاشقة المتمردة الى التحدي. لقد ملت من هذا الهروب والانكسار المستمر أما النمام. فان كان قد اعلنها حربا فليتقدم:
هـذا آنه يالنمام كون الك عتبه
محد يگص الراس غير المرچبـه
والأبوذية، ذلك اللون الشعري الغنائي العذب، لم تغفل هي الأخرى دورة الوشاة والشمات والنمانين والعذال. لقد احتلت هذه الشخصيات موقعا متميزا في الابوذية العراقية. فما اكثر ما سمعنا من توجعات وصرخات من طعنات هذا العاذل او ذاك الواشي. في المنوذج التالي يرى هذا الانسان العراقي المعذب بسياط العذال ان العاذل قد يكون كل شيء لكن مستحيل ان يكون مسلما او بنتسب للإسلام. فمن أين يكون اذن؟
العـاذل موش مسلم مرواني
حرمني شوف ولفي مرواني
مـره اتبع ضعنهم مرواني
مره انحب ومره اصفج بديه
اما في النموذج الآتي من الأبوذية، فاننا نجد صاحبه قد اطلق العنان لمخيلته ليذهب ابعد من البعيد في تصوره للواشي، فيمنحه قدرة سحرية اثيرية عجيبة. انه يرى ان لا خلاص من هذا الواشي حتى لو هرب منه الى آخر نقطة في هذه الدنيا، فما اروع قوله:
اريد اگعد على دربه وتانـي
الواشي من انهجم بيته وتاني
اشردت منه يخلگ الله وتاني
لگيته بحضرموت يخم عليه
ختاما، ومن خلال تلك النماذج الحية، لا اجد غير ان اتفق تماما مع رأي الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة التي ترى بانه من الممكن نقل هذه المعادلة، التي يقف فيها المحب اما نذالات الواشي والشامت والنمام، الى معادلة اوسع تقف فيها الحياة باندفاعها وحرارتها وتدفقها، في مقابل سلوك اجتماعي صارم. ان المجتمع العراقي وللأسف، يحكم وبلا تردد لصالح الغريمة المجهولة، وما عطفه على الفتاة اليتيمة الا مجرد كلمات ومجاملات. ولا ندري بعد، اذا كانت الاسطورة تستطيع ان تتحقق في ايامنا هذه فيفطن الأمير الى المؤامرة ويذهب باحثا عن فتاته التي انقذته حقا.